“أنا مو مجنون عشان أروح لدكتور نفسي”، “لو حد شافني وش أقول له” جملتان متتابعتان تسمعهما حين ينصح أحدهم صديقه الذي يشكو من وساوس قهرية، أو فوبيا الأماكن المرتفعة مثلا، بالذهاب إلى الطبيب النفسي ليعالجه؛ لكنَّ ثقافة الذهاب إلى الطبيب النفسي في السعودية رحلة يحفّها الكثير من المخاطر، أولها، الاتهام بالجنون، وثانيها نظرة “العيب” التي تمنع الكثير من مظاهر الحياة الاجتماعية، في المقابل رأي كثيرين أنّ هذه النظرة أصبحت تقليدية، وتغيّرت تمامًا، الأمر الذي لم يعد غريبًا أن تسمع أحدهم يقول قاطعًا حديثه “أعتذر لدي موعد مع طبيبي النفسي”.
“روج” طرحت السؤال الصعب هو “أيهما أكثر زيارة للطبيب النفسي الرجال، أم النساء؟ وكان السؤال الأقل صعوبة، لكنّه يحمل أيضًا الطرافة هو، ماذا عن أهم المواقف المحرجة في رحلة الذهاب إلى العيادة النفسية.. والتفاصيل في هذا التحقيق.

يقول الإعلامي سعد القرني “أكبر مستشفى لعلاج الأمراض النفسية في أي بلد من بلدان العالم العربي اسمه “مستشفى المجانين”؛ فالذهاب إلى طبيب نفسي يخيف السعوديين كثيرًا، وذلك لأن العلاج النفسي صار مقرونًا بالجنون، والإدمان، المجنون يذهب إلى مستشفى الطب النفسي، وكذلك المدمن، فكيف للمريض النفسي الذي يصاب بأي مرض من الأمراض النفسية مثل فوبيا الأماكن المرتفعة، أو الأرق، أو غيرها من المشاكل التي تتطلب الطبيب النفسي أن يذهب إلى عيادة نفسية، وهذه هي الصورة الذهنية لديه، وهو يضع في حسبانه أن أحد أصدقائه أو أقاربه سيراه، وعندها سيفكر فيه هذا الصديق على اعتبار إمَّا أنه مدمن، أو مجنون، وكلا الأمرين غير مقبول بالنسبة للسعودي، ولهذا يخاف السعوديون الذهاب إلى الطبيب النفسي، ناهيك عن أن المرأة من رابع المستحيلات تقول لزوجها، أريد أن أذهب لطبيب نفسي، فسرعان ما يقابلها بالسخرية منها، المجتمع يحتاج إلى الكثير من الثقافة والوعي، ليقبل أي إنسان الذهاب إلى الطبيب النفسي وكأنه يذهب إلى طبيب أسنان مثلاً”.
الكلام نفسه يؤكده الإعلامي حاتم البلوي، مشيرًا إلى أن درجة الوعي في المجتمع السعودي مثله مثل المجتمع العربي عمومًا، يعاني قلة الوعي بأهمية الطبيب النفسي، مثله مثل الطبيب العضوي تمامًا، وربَّما أكثر، ففي المجتمعات الغربية الذهاب إلى الطبيب النفسي يكون دوريًا، لمحاولة الوصول لدرجة من درجات الضبط السلوكي في الوسط الذي يعيش فيه الإنسان.
وعن المواقف المضحكة التي أسمع عنها من الأصدقاء، قال البلوي: ذات مرة جاءني صديق يشكو لي قلة النوم والأرق، فنصحته بالذهاب إلى طبيب نفسي، وحين ذهب وجد صديقًا ثالثًا هناك، فضحكا الاثنان من الموقف، ولولا ثقافتهما، لتهرَّب كل من الآخر، وعادا معًا يؤكدان أن زيارة الطبيب النفسي مهمة، مثلها مثل زيارة الطبيب العضوي تمامًا.

جملة تسمعها كثيرًا

تقول ميرفت بخاري، شاعرة “الرجل لأنه أكثر كتمانًا يلجأ إلى الطبيب النفسي أكثر، ولعل الموروث الثقافي من الذهاب إلى الطبيب النفسي التصق بالجنون والاضطرابات النفسية، من هذا المنطلق أرى أن العزوف عن الذهاب إلى الطبيب النفسي شائعًا، غير أن هذه الصورة لم تعد كما في السابق، أصبح الطبيب النفسي الآن بالنسبة إلى كثيرين الملجأ الذي يلجأون إليه لاتخاذ القرارات، وتقديم النصيحة، فالصورة اختلفت والإقبال على الطب النفسي بدا للجميع على أنه مظهر حضاري، ومن الطبيعي أن تسمع الآن جملة اعتذار تقول “أعتذر لدي موعد مع طبيبي النفسي”.
وتضيف بخاري “أصبح المجتمع واعيًا جدًا، ويبحث عن كل الطرق التي من شأنها تخفف أعبائه ومشاكله، فتجده يبحث عن الإرشاد النفسي، وأيضًا يعد هروبًا من الأدوية التقليدية والأقراض المنومة والمهدئة، بل الاعتماد الكلي على البوح لتخفيف أوجاع النفس بالحوار والتوجيه، وهذا من وجهة نظري هو الحل الأمثل لكل من يجد في نفسه عله يريد أن يتعالج منها، وكوني شاعرة يكون البوح عندي على الورق”.
وتقول سيدة الأعمال نجوى الجار الله “المرأة أو الرجل في السعودية، كأي امرأة ورجل عربي أو غربي، لا يمكن الجزم بخوفهم من الذهاب إلى الطبيب النفسي، نعم هناك حالات كثيرة ترفض الذهاب إلى الطبيب النفسي، إما بسبب تحرجها من الذهاب حتى لا تنعت بالمجنونة، أما الفئة الأخرى، وهي الغالبية فهي بسبب جهلها الكبير بدور الطبيب النفسي.
وتضيف الجار الله “أرى أن مخرجات التعليم والخدمة النفسية في المجتمع السبب الرئيس لعدم الاستعانة بالمكونات العلاجية النفسية التي بإذن الله تساهم في حل الكثير من المشاكل الإدارية والاجتماعية والزوجية والأسرية، وقس على ذلك في كل طارئ يطرأ على حياتنا اليومية”.
دكتور المجانين والعيب

أكد استشاري علم نفس وسلوكيات أسرية، مدرب معتمد لنظرية تريز من الهيئة الوطنية الأمريكية د. ماجد علي قنش أن السعوديات أكثر إقبالاً من الرجال على العيادات الطب النفسي، لكن العادات والتقاليد تحد كثيرًا من المقبلين على العلاج النفسي، وعن ذلك يقول د.قنش “العادات والتقاليد التي تكونت في المجتمع السعودي خصوصًا، والعربي عمومًا، بأن الذهاب إلى الطبيب النفسي للمجانين فقط، وهذا يمثل له عيب، خشية أن أحدًا يعيبه من الإخوان أو الأصدقاء أو المجتمع بشكل عام.
ويضيف د.قنش “الطبيب النفسي هو إنسان مثله مثل الطبيب البشري، والمرض النفسي أخطر من المرض العضوي، لأن المرض العضوي يؤثر على الشخص نفسه فقط، بينما المرض النفسي فيؤثر عليه وعلى كل محيطه الذي يعيش فيه، عائلته، عمله، مجتمعه، فالطبيب النفسي أو المعالج السلوكي يفك عقدة مرَّت لمريض في زمن ماضي، بينما في المجتمع تلفق به كل التهم، أي واحد مجرم ممكن أن يطلق عليه مريض نفسي، لكنَّ المريض النفسي إنسان عادي جدًا، في ضوء حل مشكلة بين زوج وزوجته أو أم وأطفالها، مشكلة نفسية، أو سلوك غير سوي، وهذا يعتبر من الأمراض النفسية”.
وعن كيفية التخلص من النظرة السلبية إلى كل من يذهب إلى الطبيب النفسي، يقول د. قنش “أولاً التوعية، نقول يا إخوان، يا أخوات الطبيب النفسي مثله مثل الطبيب العضوي، وليس كل من يراجع الطبيب النفسي مجنونًا، والتوعية بكل الطرق هي الحل لذلك.

مواقف محرجة

عن المواقف المحرجة التي تعرض لها د. قنش يقول “مرَّت بي مواقف كثيرة خصوصًا من النساء مثل أن تقسم علي إحداهن ألا يخرج هذا الكلام لأحد، أو أن تشترط عدم ذكر قصتها لأي وسيلة إعلامية سواء باسمها أو من دون اسمها، وكذلك المشاكل الجنسية التي تصادف الرجال، وهي تمثل لهم مشكلة كبيرة جدًا، يؤكد على عدم معرفة أي إنسان بمشكلته، ويبدو حريصًا جدًا ومتخوفًا من أن يعرف عن مشكلته أحد، وأنا في كل مرة أؤكد أن الأمانة تقتضي عدم كشف أسرار المرضى، حتى يطمئن المريض، ويتقبل العلاج”.

طفرة ثقافية في السعودية
تقول المستشارة الأسرية سلوى العضيدان “لا أظن أن المجتمع السعودي مختلف عن باقي المجتمعات العربية التي تخشى الذهاب إلى الطبيب النفسي، لكن في الوقت نفسه، أشعر الآن تحولاً في طريقة التفكير، وأن هناك وعيًا كبيرًا بأهمية الذهاب إلى الطبيب النفسي والاستشاري الأسري، كثيرون يسألون الآن عن طرق لحل المشاكل النفسية والأسرية التي تصادفهم، هناك طفرة ثقافية كبيرة في المجتمع السعودي بأهمية الطبيب النفسي، وكذلك المرشد النفسي، وزاد مستوى الوعي سواء في المجتمع السعودي والعربي عمومًا.
وعن أيهما أكثر ذهابًا إلى الطبيب النفسي الرجل أم المرأة في السعودية توضح العضيدان أن “الأمر يحتاج إلى استطلاعات رأي دقيقة، لكني أشعر على مستوى الإرشاد الأسري أن الرجال والنساء كلهم يذهبون إلى مراكز الإرشاد الأسري كثيرًا”.

عند بحث “روج” عبر “جوجل” عن “طبيب نفسي”، ظهرت 3.720.000 نتيجة بحث، بينما بالبحث عن كلمةPsychiatrist وهي ترجمة “طبيب نفسي” بالإنجليزية، ظهرت 9.010.000 نتيجة بحث، أي نحو ثلاثة أضعاف نتائج البحث العربية، وهذا يعكس مدى رغبة الغرب في البحث عن الطب النفسي، أو حتى في مجال الاختصاصيين، فالأبحاث النفسية باللغة الإنجليزية أكثر من العربية، منذ بدأت مدرسة سيجموند فرويد للتحليل النفسي، وكذلك علم النفس السلوكي، ومدرسة الجشتالت، ووصولاً إلى مدارس علم النفس الحديثة التي تعتمد على التنويم الإيحائي والتعامل مع المريض النفسي وفق مناهج حديثة تبعد كل البعد عن الصورة الكوميدية للشخصية الـ”مهتزة” التي رسمتها الدراما العربية عن الطبيب النفسي، أو الشخص المحتال الذي يستغل أسرار مرضاه لابتزازهم، فالواقع مختلف تمامًا عن الدراما الكوميدية.

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني