خلال العشر سنوات الأخيرة ، بدأت تتفاقم ظاهرة التحرش الجنسي في المجتمع المصريبكل صورة وأشكاله ، بداية من المعاكسة اللفظية مروراً باللمس نهايةبالاغتصاب ، ومع تفاقم الأزمة وتشديد العقوبات خلال الفترة الأخيرة بعدحادثة اغتصاب فتاة التحرير التي تم التحرش الجماعي بها من مجموعة كبيرة منالكلاب اللاهثة وراء غرائزها ، وتجريد الضحية من ملابسها علناً أثناءالاحتفال بتنصيب رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي.

هذه الحادثة لم تكن الوحيدة ولا الأولى من نوعها ، لكنها تتكرر أكثر من مرةبطريقة ممنهجة في التجمعات سواء كانت اعتصامات أو مظاهرات أو احتفالاتبالأعياد ، بل إنها باتت أحد العادات السيئة في الشارع وفي مكاتب العمل ، وفيالمواصلات العامة ، الأمر الذي جعل المرأة المصرية في حالة تحفز وترقبأثناء تواجدها اليومي بالشارع.

تحرش العمل

س.أحمد سيدة تبلغ من العمر 28 عاماً مرت بتجربة دفعتها إلى عدم النزول إلىمعترك الحياة العملية ، وسردت قصتها لـ”روج” قائلة : “بمجرد تخرجي من كليةالتجارة، قررت البحث عن وظيفة لملئ وقت فراغي ، وبالفعل مع كل وظيفةشاغرة كنت أتقدم أملاً في الحصول على وظيفة مناسبة ، وفي أحد المرات خلالتواجدي في أحد الشركات لمقابلة العمل ، لاحظت في البداية عدم وجود متقدمينللعمل ، ولكن بدا لي أن الشركة محترمة ولم ألق بالاً للأمر ، وأثناء إجراءالمقابلة مع المسئول ، لاحظت أن طريقة كلامه تتغير ،ونبرة صوته اختلفت ،وأصبح متوتراً وحركاته مريبة ، وفوجئت أنه يتحسس مناطق حساسة في جسده بلكشف لي عن عضوه الذكري ، وفي هذا الوقت وجدت نفسي أجري بطريقة هستيرية فيالمكان مع كمية لا بأس بها من التهديد والوعيد ، وخرجت من المكان مندفعةتحت تأثير الصدمة ثم انهمرت في البكاء ، ولم أحاول من بعدها البحث عن عملمرة أخري”.

وأضافت س.أحمد : “عندما سألت فيما بعد عن هذه الشركة علمت أنها شركة مشبوهةتجارياً وأخلاقياً ، أعلم أن هذا الأمر لا ينطبق على كل الشركات ولا أصحابالعمل ولكن هذا الموقف جعلني أخاف من كل الرجال”.

 

“مُزة” حبس وغرامة

القانون المصري بعد الحادثة الأخيرة شدد على عقوبة التحرش الجنسي بـالحبسوالغرامة وتجريم المُتحرش على كلمة “يامُزة” ، إلا أن الفتيات المصرياتلازلن لا يحبذن مواجهة المتحرش وسحبه إلى قسم الشرطة ، لأن هذا الأمر يحتاجشجاعة وجرأة لا تتوافر لدي كثير من البنات اللاتي يخفن من الفضيحة والقيلوالقال ، لذلك يفضل بعضهن الاحتفاظ ببعض وسائل الدفاع لاستخدامها إذا لزمالأمر.

 

وسائل دفاع

أميرة فتحي طالبة جامعية تعيش في طنطا بالقرب من القاهرة ، وتستخدم وسائلالمواصلات بمختلف أنواعها في التنقل اليومي ، وتتعرض للتحرش بين الحينوالآخر كأي بنت مصرية تحتك بالشارع وتعاني من مضايقات الرجال ،لكنها تحتفظ داخل حقيبتها بالصاعق الكهربائي لاستخدامه وقت اللزوم كوسيلةحماية ودفاع .

تقول أميرة : “لم أستخدم الصاعق حتى الآن ، أضعه أخير حتى لا أعرض نفسي إلىخطر أكبر ، لكن أفضل في البداية استخدام بعض الوسائل التحذيرية ، لأنالمتحرش شخص جبان بطبعه ، وأحيانا أقوم باستخدام دبابيس الطرحة إذا تعديالشخص على مساحتي الشخصية.

 

محاولات للتصدي

يبدو أن القانون الجديد وحده لا يجد صدى لدي معظم الفتيات والسيدات ،فالأمر في الشارع لا يختلف كثيرا عن قبل ، لذلك تلجأ البنات إلى حمل وسائلالدفاع التي تم ابتكارها مؤخراً مثل خاتم الدبابيس ، ورذاذ الفلفل ،والصاعق الكهربائي وغيره من الوسائل ، بالإضافة إلى بعض المجهودات الفردية وبعض الحركات ومبادرات المجتمع المدني المعنية بالدفاع عن حقوق المرأة والمناهضة للعنف في مصر.

ومن هنا جاءت فكرة “يافضحتو” وهو تطبيق جديد على الموبايل ، من ابتكار مجموعة من الفتيات المصريات لكشفالمتحرشين وفضحهم ، وتؤكد “ياسمين يس” أحد المشاركات في الفكرة أن هذا التطبيقمناسب للتحميل على أي نوع من أنواع الهواتف الذكية التي يمكن للمرأة من خلالها الإبلاغعن حادثة التحرش في أي مكان في الشارع ، هذا التطبيق يُستخدم بتقنية الـ GPS لتحديد المكان تلقائيا ، وبالتالي يظهر البلاغ على الصفحة الرئيسيةبالحالة والمكان والوصف التفصيلي ، وتظهر هذه الواقعة لكل مستخدمي التطبيق .

“يافضحتو” تطبيق يمكن من عمل خريطة لأماكن التحرش ، وعمل إحصائيات على المناطق من حيث الأكثر خطراً والمناطق الآمنة والتي يقل بها التحرش والمناطق الأمان.
“يا فضيحتو” الآن مجرد برنامج غير مُفعل أمنيا ، لكنها مبادرة نسائية مبشرة من هديل يوسفوياسمين يس للتصدي للظاهرة أو على الأقل الحد منها ، لكن يمكن تفعيله بوسيلة أو بأخرىوتدعيمه من الجهات الأمنية للقبض على المتحرشين في الحال.

غير ممتع جنسيا
ومع كل المحاولات للحد من ظاهرة التحرش الجنسي سواء من الحكومة أو الجمعيات أو الأفراد ، لن تجدي القوانين وحدهادون تطبيقات رادعة.
لكن وماذا بعد ؟ كيف يمكن علاج ظاهرة التحرش من جذورها ؟ بعض الخبراء أرجعوا الأسباب إلى الكبت الجنسي لدىالشباب وعدم قدرتهم على الزواج ، لكن إذا دققنابنظرة شاملة سنجد أن حالات التحرش لا ترتبط بفئة عمرية معينة ولا حالةاجتماعية ولا طبقة بعينها ، سنجد المتحرش شاب ومراهق ومدير ومتزوجوموظفوعاطل !!
هل الكبت الجنسي هو الدافع وراء كل الحالات ؟حملنا هذا السؤال أخصائي العلاج النفسي والسلوكي الدكتور أحمد عزام الذي أرجع السبب وراء لجوءالرجل إلى التحرش الجنسي إلى فرض القوة والسيطرة ، وأخذنا في جولة نفسيةداخل عقل المتحرش وحللها قائلاً : “التحرش ليس له علاقة بالجنسكما يعتقد البعض ، لأنه تصرف غير ممتع جنسيًا ، ولا يشبع رغبة ، المغتصب اوالمتحرش يريد فقط أن يشعر بأنه الأقوى ، وقهر المرأة يشعره بسعادة.

وشبه د.عزام إحساس المتحرش بالقوة ، بالهاوي لمشاهدة المصارعة الحرة الذييشعر بالسيطرة عند مشاهدة قوة المصارع أثناء المباراة ، مشيراً إلى أن هناك أزواج يشعرون بالقهر من زوجاتهم المتسلطات ،لذلك يجد في التحرش بأي امرأة بالمتعة ، لأنه كاره لها ويتمعن في إذلالها بشتى الطرقوأهانتها بلمس جسدها.
التحرش نوع من أنواع السادية ، وهو خلط بين الواقع والمفهوم النفسي للمغتصبأو المتحرش ، الشخص المتوازن نفسيا لا يلجأ إلى هذا السلوك ابداً ، لأنه مرض غير مرتبط بالجنسوالدليل على ذلك أن السيدة التي تم اغتصابها في ميدان التحرير ، قام المعتدين عليهابإدخال سيخ حديد بأعضائها التناسلية ، هل يجدون متعة جنسية في ذلك؟
وبجانب ما سبق أضاف د. عزام إلى أن الانحطاط الاخلاقي يعد عاملاً قوياًوسبباً لا يستهان به بسبب الفن الهابط ، مؤكداً أن معاني الأغاني محرضة على أن جسم المرأةبات مشاعاً ، ومن حق أي شخص يغني له بأسلوب مهين يصف كل جزء فيه ، وعندمارخّص المجتمع صورة المرأة ، وردد الشباب الأغاني الهابطة فهانت حواء علىالمجتمع كله.

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني