للأماكن حكايا و قصص تروى بما فيها من أحداث وذكريات تبقى في الذاكرة و يتوارثها الأجيال، وتشكل لدى البعض ماضي جميل يعود كلما عادت رؤيته وذكراه..”شارع قابل” في وسط مدينة جدة كان ولا زال أحد المعالم التاريخية ومنه انطلقت حقبة اقتصادية وتجارية في الأربعينات الهجرية شكلت اللبنة الأساسية لتجارة جدة.

شارع قابل بداية وتاريخ
يقع شارع قابل في وسط مدينة جدة ويمتد من الغرب إلى الشرق ويعتبر أهم شارع في جده القديمة على الإطلاق، بناه الشريف حسين بن علي في الثلاثينيات الهجرية للقرن الرابع عشر واشتراه آل قابل من ابنه الشريف على عام 1344م.
وروى الأديب والمؤرخ محمد علي مغربي قصة تأسيس شارع قابل في روياته لسيرة سليمان قابل قائلا هذا الشارع بناه الملك الحسين بن علي في الثلاثينات أثناء ولايته على عرش الحجاز وفي عهد ابنه الملك علي بن الحسين اشتراه آل قابل من الملك مقابل بعض المال وبعض الأغذية التي كانت حكومته في أشد الحاجة إليها لتصرف للجند خلال الحرب, واستطاع الشيخ سليمان قابل بذهنيته المتفتحة أن يجعل من هذا الشارع أهم شارع في مدينة جدة في ذلك الزمان ،و كان الشارع وقتها مكشوفاً فتعاقد مع شركة ألمانية على تسقيفه وتم تغطية الشارع بسقف من المعدن المضلع (التوتوه) يقوم على أعمدة حديدية ويرتفع ارتفاعا كبيرا لان علو الشارع كان قد بني عليه دور من المكاتب التجارية.
وأضاف مغربي “لقد شاهدت العمل في تغطية الشارع في الأربعينات في أوائل العهد السعودي وهو يسير على قدم وساق حتى تمت تغطية الشارع على أحسن ما تكون في ذلك الزمان”.
وأشار إلى أن آل قابل لم يكتفوا بتسقيف الشارع ولكنهم استوردوا ماكينة كهربائية ضخمة وادخلوا الكهرباء والتهوية الكهربائية إلى كل دكان ومكتب في الشارع فتدافع أصحاب الدكاكين إلى الاستئجار في شارع قابل وأصبح الشارع مختصا بالقماشين،وبعض البضائع التي تميز بها شارع قابل.

ذكريات الشارع وثريا قابل
وكان شارع قابل بداية ظهور الطبقة المتوسطة في جدة تلك الفترة والتي حولت التجارة وسيطرت على الاقتصاد ومنها خرج معظم تجار جدة بحسب ما روت الشاعرة ثريا قابل في لقاء سابق لها تحدثت فيه عن شارع قابل وعائلة قابل وقالت أزور الشارع في شهر رمضان من كل عام وأعود خلالها بالزمن لطفولتي وأنا أمشي في الشارع و أتوقف أمام دكان الخواجة (ينّي) حيث تدهشني الألوان وطريقة التنظيم التي يعدُّ بها زجاجات الزيتون والمخللات وأنواع الاجبان.
وأشارت إلى أن معظم تجار المملكة بدءوا من شارع قابل وبعضهم بدأ من بسطة صغيرة في الشارع و لم نكن نأخذ منهم إيجارا رغم أنهم (يبسطون) في الشارع الذي نملك كل دكاكينه ومتاجره، بينما مستأجر الدكان كان يتسلم منا (لمبة) ومروحة.
وتتذكر عندما عادت من مصر بعد تخرجها وقالت يوم عدت بعد تخرجي من مصر توليت ترتيبات حسابات المتاجر والدكاكين ودفاتر المستأجرين نيابة عن العائلة, عرفت أسماء التجار جميعهم
وأضافت أن سليمان قابل الذي اشترى الشارع ليس جدها بل هو شقيق جدها عبدالقادر قابل، ولم يكن سليمان قابل اكبر الأبناء كان أكبرهم محمد قابل وأنجب ولدا واحدا هو عبدالرحمن لكنه مات صغيرا, ولم يترك محمد قابل سوى ثلاث بنات ومات شابا، وبعد وفاة محمد أصبح سليمان اكبر الأبناء الموجودين وله من الإخوان عبدالقادر قابل وعلي قابل، وكان سليمان عقيما لم ينجب رغم انه تزوج كثيرا وآل قابل الموجودون اليوم هم ذرية أخويه عبدالقادر وعلي، وبدأ سليمان بن أمان الله بن عبدالله بن حامد قابل تجارته بالمؤونة (الأرزاق) مثل السكر والشاي والأرز والحبوب وبقية المواد الغذائية ثم لم تلبث تجارته أن تطورت حين أصبح وكيلا للسيارات فكان أول من استورد سيارات فورد وستودي بيكر.
ويذكر المؤرخ محمد علي مغربي في سيرة سليمان قابل أنه كان تاجرا كبيرا وكان موظفا كبيرا كذلك, قبل العهد السعودي كان رئيسا لبلدية جدة, وحينما تأسست المحكمة التجارية في جدة وهي أول محكمة تقام من نوعها في العهد السعودي وتقوم بالفصل في القضايا والأمور التجارية كان سليمان قابل أول رئيس لها، و قبل ذلك كله رئيسا للإدارة التي تمنح تراخيص الاستيراد،ومن أعماله التجارية انه أول من تولى رئاسة أول شركة للسيارات في جدة في العهد السعودي وعمل على استيراد سيارات فورد وستودي بيكر ولم تحظ هذه الشركة بالتوفيق فتمت تصفيتها بعد أن واجهتها العديد من المشاكل.

ما جاء في وصف شارع قابل
يبدأ شارع قابل من النورية شرقا وينتهي إلى باب البنط غربا، والخاسكية سوق يبدأ من منتصف شارع قابل يمتد جنوبا ثم لا يلبث أن يتجه شرقا موازيا لشارع قابل من الجهة الجنوبية لينتهي إلى النورية حيث بيت زينل الذي أزيل في افتتاح الشارع الجديد ( شارع الذهب ) مع ما أزيل من النورية .
وعلى اليسار إذا تم دخول الخاسكية من شارع قابل دكان محمد علي بالطو رجل أصله بخاري ، وكان يبيع الخردوات والقزز ثم دكان مصطفى لبني وهو من أهل مكة المكرمة وكان يبيع المسامير والمفصلات وأدوات النجارة لصنع الأبواب والشبابيك ، ثم دكان حامد الدخيل وكان يبيع الصحون والكاسات والفناجين ، وبعده بقالة وجيه باريان ثم محل لبيع القماش لنوري أبو زنادة ثم دكان جميل أبو العينين وكان مختصا في بيع العمائم والأحاريم الرشوان والحلبي والبقش الكشميري وكان زبائنه أفنديات جدة ثم دكان لأحد السبحية من بيت ( اللغات ) وكان يبيع السبح والى جنوبه دكان الشيخ عمر سنبل وكان أحد تجار اليسر وكان يبيع اليسر ( المرجان الأسود ) في مدخل بيته في حارة البحر على التجار أما دكانه في الخاسكية فكان لبيع السبح المصنوعة من اليسر ، وبعد دكان الشيخ عمر سنبل دكان لأحد الموالي اسمه عبدالخير كان يشتغل في إصلاح الكوالين والأقفال وبعده قهوة ( خبيني ) أصبحت بعد ذلك دكانا استأجره السيد عبدالله شربتلي يبيع فيه العصير والبرتقال ومنه بدأت تجارة الشربتلي ، بعد قهوة خبيني يوجد مستودع لباشميل وبعده دكان صيرفي اسمه ابن لعثم وكان من الحضارم وبعده بقالة العمودي ثم دكان الشيخ علي حفني ثم دكان عطار اسمه احمد آقو ودكان للصيرفي بارعيده .
ثم يتجه الشارع إلى الشرق حيث يوجد دكان صبري بياع الخبز والتمر ثم فوال اسمه الكبش وبعده بياع مقادم وهو رجل من جاواه وبعده دكان خياط اندونيسي ثم قهوة سعيد حاتم وفي نهاية الشارع من الشرق يوجد بيت زينل وهو عبارة عن مجمع سكني لآل زينل والى جواره بيت العطيوي شيخ الجزارة، ثم النورية . ” دكان احمد آقو ودكان بارعيده اندمجت في دكان واحد عبارة عن مصرف صغير لعبدالعزيز وصدقة كعكي وكان يعمل معهم الشيخ سالم بن محفوظ ، ومن ذلك الدكان بدأ البنك الأهلي.

سليمان قابل

سليمان قابل من اليسار والشريف عبدالله بن الحسين وعبدالله باناجة في جدة عام 1918م

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني