الحمل والولادة من الأمور التي تبعث على السعادة ووجود طفل في حياة الأسرة يضفي سعادة على الأم والأب معا، ولكن هذه السعادة ربما تتحول إلى تعاسة عند الوقوع في مرض الاكتئاب ما بعد الولادة، وهو أحد الأعراض الأكثر شيوعاً في فترة الولادة، مما يفسد على الأسرة فرحتها بمولودها الجديد وهذه الاضطرابات لا تصيب الأم فقط بل الأب أيضاً مما يقود حياة الأسرة إلى التهلكة إن لم يعالج.

وأوضحت استشاري الطب النفسي الدكتورة تهاني الأمين أن أعراض المرض تتمثل في اضطرابات تصيب الأم وهي عبارة عن حالة مستمرة من الاكتئاب والحزن الشديد، البكاء، القلق، التوتر، الشعور بالذنب ،التقصير، فقدان الأم الفرحة بالمولود، فقدان الاستمتاع بالحياة، والإجهاد العام.
وهذا النوع يصيب 50% من السيدات لمدة لا تقل عن أربعة أسابيع في فترة ما بعد الولادة .

إضافة إلى تغيرات بيولوجية حيث ترتفع الهرمونات الأنثوية عن معدلاتها الطبيعية في مرحلة الحمل، ولحظة الولادة يحدث انخفاض سريع وعنيف ومفاجئ لهذه الهرمونات، وهذا الانخفاض له علاقة وثيقة بالحالة المزاجية للأم وذلك بسبب العلاقة الواضحة بين الهرمونات الأنثوية والناقلات العصبية المسئولة عن الاكتئاب مثل نورأدرنالين والسيروتونين، أما التغيرات الجسدية أمر طبيعي لأن عملية الولادة تعد تجربة مؤلمة تمر بها الأم، تؤثر على جسدها من خلال الألم أثناء الولادة، مما يؤثر على نفسيتها وتشعر بالصداع وزيادة ضربات القلب واضطراب بالشهية والنوم سواء بالزيادة أو النقصان، مع الشعور بعدم الثقة بالنفس،و قلة النوم الذي يزيد بالتالي من الإرهاق الجسدي لها.

وأشارت الدكتورة الأمين أن التغيرات الاجتماعية تظهر في :
1- قلق الأم من تحمل المسئولية الجديدة الملقاة على عاتقها مع عدم ثقتها في قدرتها على القيام بتلك الواجبات، وما يترتب على ذلك من خوفها من الفشل أمام أسرتها وزوجها.
2- شعور الأم بأنها لا تملك السيطرة على زمام الأمور.
3- تخلي الزوج عن زوجته وعدم مساندته لها في فترة الحمل، وعدم وقوفه معها لحظة الولادة، وفترة ما بعد الولادة، وعدم شعورها بالمشاركة العقلية والعاطفية.
4- التوتر الشديد في علاقة الأم المصابة بهذا المرض بوالدتها عندما كانت صغيرة وضعف العلاقة بينهما، وينعكس ذلك بالتأكيد على الأم المصابة تجاه مولودها.

وبيّنت أن النساء الأكثر عرضة لهذا المرض هن:
1- النساء اللاتي سبق لهن الإصابة بالاكتئاب بعد الولادة من حمل وولادة سابقة.
2- النساء اللاتي سبق لهن الإصابة بالاكتئاب العام الذي ليس له علاقة بالولادة.
3- النساء اللاتي لهن تاريخ عائلي لمرض الاكتئاب.
4- النساء اللواتي تعرضن لمشاكل عائلية في فترة الحمل.
5- النساء اللواتي لديهن مشاكل زوجية مثل رفض الارتباط بالزوج من البداية ورفضها الإنجاب منه.
6- والنساء اللاتي عانيين صعوبة الولادة أو ولادة طفل به عيوب ظاهرة وشديدة.

الرجال عرضه للإصابة باكتئاب مابعد الولادة
ويبدو أن اكتئاب ما بعد الولادة ليس حصرا على النساء بل يصيب الرجال أيضا ويظهر على الرجل عدم الشعور بالسعادة والحزن والتوتر، وارجع المختصون الأسباب إلى كثرة المشاكل الزوجية أو الخوف من تحمل المسئولية تجاه تربية هذا الطفل والإنفاق عليه.

وأكدت الدكتورة تهاني أن الوقاية خير من العلاج لذا يجب التعامل مع السيدات الأكثر عرضة للاكتئاب بالوسائل الوقائية ومنها:
1- تهيئة الجو النفسي الصحي للأم أثناء الإعداد للحمل وفترة الحمل والاستعداد للولادة.
2- المشاركة الزوجية من الزوج تشعرها بأنه جوارها فترة الحمل، وأثناء الولادة ومساندته لها في تربية الأبناء، ولا يوجد مانع من المساعدة في الأعباء المنزلية تعبيرا عن حبه لها.
3- أن يساعد الزوج والأسرة هذه السيدة الأكثر عرضة للاكتئاب بالبعد عن المشاكل والصراعات النفسية، وعند شعورها بالقلق والتوتر يشعرونها بأنهم بجوارها وليست بمفردها.
4- الاهتمام بالنوم والتغذية الجيدة أثناء فترة الحمل.
5- تقوية علاقة الأم بوليدها، والتأكد من عدم رفضها له، وفي حالة هذه الأعراض عليهم اللجوء إلى الطبيب المختص.

وذكر أن الوسائل العلاجية يتم اللجوء إليها حسب درجة الاكتئاب بالعقاقير الطبية ومضادات الاكتئاب، مع مراعاة ألا يؤثر هذا العلاج على الرضاعة الطبيعية باختيار النوع الأنسب من مضادات الاكتئاب.
وفي الحالات الشديدة يتم إيقاف الرضاعة واللجوء إلى بديل لتغذية الطفل، وفي بعض الحالات الشديدة يتم إعطاء جلسات لإعادة تنظيم إيقاع المخ مثل حالات ذهان ما بعد الحمل.
ومن الضروري اللجوء إلى جلسات العلاج النفسي مثل العلاج المعرفي والعلاج الأسري بما يشمله من توعية الزوج، والأسرة بماهية وطبيعة المرض، وكيفية منع الانتكاسة لتجنب الأسباب التي تؤدي إلى تكرار حدوث هذه الحالة المرضية العنيفة.

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني