أثينا عاصمة اليونان وأكبر مدنها، تم بناؤها حول التلال الصخرية للأكروبولس “بيت للآلهة”، فوق جبل الأوليمب، وكانت عاصمة دولة أتيكا الموحدة قبل عام 700 ق.م.

في بداية نشأتها كانت عبارة عن بيوت من الطين والقش، وشوارعها غير مرصوفة، وكانت في عصرها أقل حجما من المدن الحضارية القديمة، فلم تكن تتعدى مساحة قرية صغيرة، إلا أنها كانت دولة ديموقراطية، يديرها مجلس الجماهير “الإكليسيا”، الذي ينتخبه أهلها بالاقتراع، ويتخذ القرارات بالتصويت.

كانت أثينا مركزا للحضارة “الميسينية”، في العصر البرونزي الأخير،  وفي عهد حاكمها “بركليس”، كانت مدينة الفنون والثقافة، وتبوأت هذا الموقع حتى سنة 529 ق.م، حيث ظهرت بها التراجيديات والكوميديا الإغريقية الشهيرة، واشتهرت بفلاسفتها الكبار، أمثال سقراط وتلميذه أفلاطون.

بالإضافة للفن والجمال والحضارة والآثار، لم تغفل الحضارة اليونانية الرياضة، ودورها في السمو البدني والعقلي والنفسي للأفراد، وكانت أول من أطلق شرارة المسابقات الأوليمية في العالم القديم،  وأصبحت الشعلة الأولمبية تقليدا يمارس إلى الآن، عند كل بداية دورة ألعاب أولمبية.

أما الحدث الأهم الذي شهدته أثينا، خلال الفترة الكلاسيكية، فهو معركتا “ماراثون” البرية، و”سلاميس” البحرية  بين الإغريق والـفرس، والتي انتهت بانتصار الإغريق وطرد الفرس من اليونان.

في وادي “ماراثون” ـ تلك البلدة الصغيرة التي كانت تتبع أثيناـ وقعت معركة فاصلة عام 490 ق.م، خلدتها الأساطير الأغريقية، بين الجيش الـفارسي الجرار، والجيش الإغريقي قليل العدد في هذه المعركة حقق الجيش الإغريقي انتصارا كبيرا، على الرغم من قلة عدد الجنود وتنظيمهم، وأوقف تقدم الجيش الفارسي، ومع لحظات الانتصار الأولى،  تم إرسال أحد الجنود الإغريق إلى أثينا؛ ليزف إلى سكانها خبر الانتصار البهيج، استمر هذا الجندي الذي يدعى “فيديبيديس”، يجري من أرض المعركة حتى وصوله إلى العاصمة، صائحاً على طول الطريق بعبارة  “ننيكيكامن”، وتعني -نحن المنتصرون- وتقول الأسطورة أنه عندما وصل إلى أثينا، مخبراً أهلها بالانتصار، خر صريعاً نتيجة التعب والإرهاق الشديدين، فأطلق الإغريق اسم البلدة -الذي أصبح شهيراً في كل لغات العالم- على سباق العدو الأولمبي لمسافة طويلة، الذي يعرف بسباق الماراثون أو الـماراثون.

اعتمد سباق الـماراثون بدءاً من دورة الألعاب الأولمبية الأولى، التي أقيمت في أثينا عام 1896، تخليداً لذكرى هذه الواقعة، التي حمت الديمقراطية الأثينية، من السقوط أمام الزحف الفارسي.

وتشكل معرك “سلاميس” أحد مصادر الفخر لليونان، فقبل ما يزيد على ألفي عام، سجل أول تاريخ مكتوب، كيف حارب رجال السفن الإغريقية، ضد الأسطول الفارسي الكبير، كان الملك الفارسي سيرسيس قد حاصر الملك “تيميس توكليس” وأسطوله اليوناني في خليج سالاميس، وأثبتت معركتهم الحاسمة، أنها واحدة من أهم المنعطفات في التاريخ.

أما سبب الحرب ففي غاية الغرابة، حيث في عام 485 قبل الميلاد، تم تتويج المللك سيرسيس، خلفا لوالده الملك العظيم داريوس؛ ليصبح ملكًا على أقوى إمبراطورية في العالم آنذاك؛ ابتهاجا بهذه المناسبة جاء آلاف من الموالين من كافة أنحاء الإمبراطورية، يحملون الهدايا لكن شيئًا لم يصل من أثينا، لم ينس سيرسيس فشل فارس في غزو اليونان بعدما حطمت العواصف أسطول والده، وانهزم جيشه في معركة باراتون، كان مصرا على جعل أثينا تدفع ثمن تلك المهانة، فما كان له أن يسمح لأحد بمقاومة القانون الفارسي، كان الفرس مقاتلين أشداء يقودهم ملوك طامعون.

بعد عام واحد على تتويجه ملكا، بدأ سيرسيس تحضيراته للهجوم، جند مئات الآلاف من الرجال من مختلف أنحاء الإمبراطورية، حتى حشد أكبر جيش في العالم -في ذلك الحين- لم يكن هنالك ما يكفي من سفن تحمل جيوشا بهذه الأعداد، لهذا أمر سيرسيس بتحريكها برا، على أن يتبعها الأسطول البحري العظيم فيما بعد.

كانت أعدادهم هائلة، بحيث استمرت جيوشهم في عبور الجسر العائم، الذي ربط آسيا بأوربا لمدة يومين، ثم توجهوا إلى أثينا بالأسطول الفارسي الذي لم يكن بعيدًا.

في أثينا كان العمل قد انتهى من بناء أسطول من مائتي سفينة صممت حديثًا للحرب، سميت بثلاثية المجاديف، صنعت هذه السفن من خشب السنديان، وقد صممت بحيث تكون سريعة وسهلة المناورة.

انتهى العمل من بناء الأسطول في الوقت المناسب، ومع نزول آخر سفينة حربية إلى البحر وصلت أنباء عن دخول الجيش الفارسي إلى اليونان، عادة كان الإغريق يطلبون النصيحة من كبير كهنتهم في “ديلفي”، قبل اتخاذ القرارات الهامة، صعد السفير إلى المعبد على سفح جبل برنارسو، كي يسمع صوت الكاهن آتيا من تحت الأرض.

هذه فحوى الرسالة التي بعثت بها الآلهة الوثنية إلى شعب أثينا: لماذا تجلسون هناك أيها البؤساء؟ طيروا حلقوا إلى نهاية الخلائق، اخرجوا من بيوتكم وتخلوا عن أماكنكم المقدسة، فلن ينجو من النهب إلا الجدار الخشبي، عند سماع رسالة الآلهة، هرب بعض سكان أثينا، وحين دخل الفرس إلى المدينة، سلبوا المعابد وأخذوا معهم غالبية التماثيل المقدسة، وذبحوا ما تبقى من الأهالي.

سهر الفرس طوال الليل، يحرسون مضيق سلاميس؛ ليمنعوا السفن اليونانية من الهرب، بينما قضى اليونان ليلتهم في الراحة، طلب سيرسيس النصيحة، من قادته، دعاه الجميع للهجوم، باستثناء قائد واحد؛ فقد جاء صوت المعارضة من المرأة العسكرية الوحيدة بين قادته، وهي الملكة “أرتميسيا” اليونانية، التي تحالفت مع الفرس، لكن سيرسيس تجاهل نصيحتها، أصبحت سفن الفرس المكدسة بطواقمها المتعبة، تشكل أهدافًا سهلة، لضربات المراكب اليونانية، تمامًا كما كان يتوقع تيميس توكليس.

أصبحت أعداد السفن هائلة في المضيق بحيث لم يعد من السهل معرفة السفن الفارسية من مبارزتها اليونانية، وانتهت المعركة بتحطيم الأسطول اليوناني الضخم.

ـ المعالم الثقافية

تزخر أثينا بالعديد من المعالم السياحية والتاريخية، التي تتجلى فيها روعة الفن المعماري القديم، جنباً إلى جنب مع مظاهر الحياة العصرية، أشهرها “الأكروبولس”، وهو كلمة يونانية قديمة تعني “المدينة العالية”، بناه اليونانيون على تل صخري، يرتفع لأكثر من 156 متراً فوق سطح البحر، وكان المكان المفضل لإقامة ملوك وأباطرة أثينا القدماء، كان “الأكروبولس” مركزا الحياة في مدينة أثينا القديمة، ويضم عدة آثار تاريخية مهمة، ومعابد ومباني عريقة، لا يزال الكثير منها حتى اليوم.
عندما احتل الفرس أثينا عام 840 ق.م، قاموا بتحطيم معظم تلك المباني والمعابد، إلا أن أهل أثينا استطاعوا إعادة بناء الأكروبولس، وأضافوا إليه العديد من المباني والمعابد مثل معبد “البارثينيون”، الذي بُنيَ من الرخام والمرمر، كما بنوا “اليروبيليا”، وهو مدخل ضخم للأكروبولس، تتزين حوائطه بالرسوم والنقوش الإغريقية القديمة، التي تحكي العديد من الأساطير اليونانية الشهيرة.
وعندما احتل الأتراك أثينا عام 1394، حولوا ” الأكروبولس” إلى مسجد تحيط به المآذن من جميع الجهات، ومع قيام الثورة اليونانية عام 1821، عاد المعبد للسيطرة اليونانية، ويمثل اليوم أعلى موقع أثري قيمة في اليونان.
هناك أيضاً معبد “آرخيوم” الذي يعد من آثار تل الأكروبولس المتميزة، حيث يتمتع بساحة مقامة بستة أعمدة مبنية على شكل عذارى يحملن سقف البناء، وقد تم نقل الأعمدة مع مطلع القرن العشرين إلى متحف معبد الأكروبولس؛ خوفاً عليها من عوامل الطقس، ووضعت مكانها أعمدة مشابها لها تماماً مصنوعة من الأسمنت بنفس شكل ولون الأعمدة الأصلية.
في الجهة الجنوبية للأكروبولس يوجد مسرح “أوديون” الشهير الذي بناه “هيروس أتيكوس” أحد أثرياء أثينا، وذلك عام 160 ميلادية، ويتسع هذا المسرح لأكثر من 5 آلاف مشاهد، وتقام عليه حتى اليوم العديد من العروض المسرحية والموسيقية.

لكن أثينا فقدت تمثال “زيوس” كبير الآلهة،  وهو أحد عجائب الدنيا السبع القديمة؛ كان أحد التماثيل الأثرية الضخمة، المقامة في جبل أوليمبس الشهير، والذي قام بصنعه النحات المشهور “رفيدياس”، وهو عبارة عن تمثال لرجل ضخم، يجلس على عرش ارتفاعه 12 مترا، فوق قاعدة ارتفاعها 6 أمتار، ولكن التمثال تعرض لحريق هائل دمره .

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني