بجانب الألم الجسماني ، تتعرض مريضة سرطان الثدي إلى ألم من نوع آخر يفوق آلام الجلسات الكيميائية وآثار مشرط الجراح ، فهي تصارع معاناة الألم النفسي والحرج الذي تستشعره نتيجة فقدان جزء من أنوثتها ، وخاصة أن جمال المرأة في الوطن العربي تم حصره في مفاتنها الجسدية.

بعض السيدات واجهن ألم المرض وفقدان الأحبة بسبب استئصال الثدي جزئياً أو كلياً، وقلت رغبتهم في مواصلة العلاج وفقدن الشجاعة في مواجهة هذا المرض الشرس والأكثر فتكاً بنساء العالم.

الدعم أساسي

ومن هنا يأتي دور الزوج في التعامل مع شريكة حياته المريضة بسرطان الثدي ، حيث أكدت دراسة أردنية سابقة “للبرنامج الوطني لسرطان الثدي” أن تعاون الزوج وتقبله لمرض زوجته يساعد في العلاج بشكل ملحوظ.

د.حسين الخزاعي أستاذ علم الاجتماع بجامعة البلقاء التطبيقية وهو أحد المشاركين في الدراسة يؤكد أن الرجل في الأسرة العربية هو صانع القرار والولاية وعماد الأسرة ، لذلك يجب أن يكون السند والعون لمد الزوجة بالثقة والأمان والطمئنينة على مستقبل الأولاد.

مشكلة سرطان الثدي مشكلة مجتمعية وليست طبية بالدرجة الأولى ، وتحتاج المرأة فيها إلى أن تخرج من القلق التى تعيش فيه ، عن طريق إزالة جميع التوترات من حولها بمساعدة الأسرة بشكل عام والزوج بشكل خاص، لأن القلق يولد الخوف ، فإذا رأت المرأة القلق في عيون من حولها ستتأخر استجابة العلاج.

وتشير الدراسات أن نسبة العلاج من مرض سرطان الثدي قد تصل بنسبة 100 % في حالة اكتشافه بالمراحل المبكرة ، لكن أحياناً خوف المرأة من الفحص بسبب خوفها من فقدان الزوج يدفعها إلى عدم المبالاة وإهمال الأمر ، ولا تهتم إلا بعد الشعور بالمضاعفات.
في مجتمعاتنا العربية يتخلى بعض الرجال عن زوجاتهم حال الإصابة بمرض سرطان الثدي، كون المرأة أصبحت ناقصة ، بعضهم يفضل الابتعاد نهائياً وآخرون يبحثون عن امرأة أخرى ، لكن في حالة تقديم الحب والعون من الرجل يزيد من تمسك المرأة بالحياة ،و ينعكس ذلك على جهازها المناعي الذي يبدأ بشكل جيد في مقاومة المرض.

مساندة الزوج
والملاحظ في مريضات سرطان الثدي أنهن يفضلن التقوقع والابتعاد وكتمان الأمر ، حتى بعد التعافي ، وكأن الإصابة بالمرض عورة أو عار لا يجب التحدث عنه أو ذكره.

السيدة ن.هـ أحد الناجيات من مرض سرطان الثدي ، وافقت للتحدث إلى”روج” عن تجربتها بعد محايلات من الإقناع ، وأصرت على عدم ذكر اسمها بالرغم من انها في مرحلة المتابعة بعد الشفاء.

السيدة ن.هـ البالغة من العمر 45 عاماً تحت الرعاية الطبية حالياً بسبب ضعف الجهاز المناعي لديها نتيجة تأثير العلاج الاشعاعي ، وأكد الطبيب المعالج لها أن حالتها تتحسن تدريجياً بعد القضاء نهائياً على المرض.

وعن تجربتها تقول السيدة ن.هـ : أصيبت أختي بسرطان الثدي قبلي ، وبعد عمل الجراحة والاستئصال تبين أن الطبيب لم يتسئصل الخلايا المحيطة بالورم بشكل كلي وترك بعض الخلايا النشطة ، وبعد فترة قليلة انتشر السرطان على الرئة ومنه إلى باقي الجسم ، وكان صعب السيطرة عليه ولم تصمد طويلاً وتوفاها الله ، وخاصة أن المرض تم اكتشافه في المرحلة الثانية.

وتضيف ن.هـ : بعد شهرين من وفاة شقيقتي ، لاحظت ظهور كتلة صلبة صغيرة جداً بالثدي ، أسرعت إلى زوجي أخبره بالأمر فقال لي أنني اتوهم بسبب ماحدث لأختي ، وبعد أيام لاحظت أن الكتلة تزداد حجماً ، حينها أسرعنا أنا وزوجي إلى الطبيب وبأخذ عينة من الورم تبين أنه ورم سرطاني في مراحله الأولي.

تصف السيدة ن.هـ هذه اللحظة بأنها كانت الأصعب على الإطلاق ، ولم تفكر في شئ إلا ابنتها الوحيدة ، وكأن حياتها قد انتهت بالفعل ، لكنها سرعان ما تماسكت بفضل زوجها الحنون الذي أخذ في طمئنتها ودعمها بشتى الطرق.

السيدة ن.هـ كانت تمر بلحظات ضعف كثيرة كلما استرجعت ذكريات شقيقتها التى هزمها المرض وقضى عليها ، لكن تفهم زوجها للأمر ووقوفه بجانبها أثناء فترة العلاج هو ما جعلها تتخطي تلك اللحظات.

وتردف ن.هـ : أجريت عملية استئصال للثدي الأيسر بالكامل ، ثم 6 جلسات بالعلاج الكيماوي ثم الاشعاعي ، والحمد لله لا يوجد أثر للمرض الآن في جسدي ، لكني في فترة المتابعة الطبية ، واتناول بعض الأقراص مع الحرص على الابتعاد عن أي مصادر للخطر بسبب مشكلة نقص المناعة واتعافى شيئاً فشيئاً وعدُت إلى ابنتي وحياتي من جديد بفضل زوجي والطبيب المعالج الذي كان يعمل هو الآخر على عمل دعم نفسي كبير لي.

مشاركة بحذر

لاشك أن قهر مرض سرطان الثدي يحتاج إلى مواجهة امرأة قوية ، ومهما كانت صبورة وقوية لن تواجه ذلك الابتلاء بمفردها ، لكن تقع المسئولية على كل من حولها ، فالجميع مجند لذلك الهدف وأولهم الزوج ثم الأسرة ، لكن ترى ماهو الدور المخول بكل شخص منهم ؟

هذا ما أجابت عنه خبيرة التنمية البشرية فاطمة البربري مؤكدة أن الحالة النفسية تشكل 50% من نسبة نجاح علاج المرض بالإضافة الجانب الروحاني ، فكلما ازداد ايمان المريضة بالله كان تقبلها أكثر للمرض ، لأنها تعلم أن الله هو القادر على شفائها حتى مع سوء الحالة ، أما الدور التالي فيتوقف على المحيطين بها ، وأهمهم الزوج ، لذلك يجب الحرص على بعض الأمور الهامة أثناء التعامل مع الزوجة المصابة بسرطان الثدي:

1 – لا يجب التعامل مع مريضة سرطان الثدي على أنها شخص مريض ومنتهي ، لذلك يجب الحرص والابتعاد تماماً عن التصرفات التى تشعرها بذلك.

2 – لا يجب زيادة الاهتمام المُلفت بها ، وكإنها طفلة مثلاً ، هذه الطريقة تعطي نتيجة عكسية ، الاهتمام مطلوب لكن المبالغة فيه أمر غير صحي.

3 – يجب أن يحرص الزوج والأولاد على الحديث دائماً عن المشاريع المستقبلية ، والاشياء الايجابية في الحياة ، والأوقات الممتعة التى يخططون لقضائها معاً.

4 – يجب على الزوج الاعتناء بزوجته ورفع الثقة والروح المعنوية لديها ، بالتركيز على مميزاتها الأخرى البعيدة عن الشكل الخارجي ، هذا الأمر لا يجب أن يكون بطريقة الكلام المباشر ، لكن يمكن أن يشعرها بذلك بين الحين والآخر في سياق المعاملة.

5 – بعض الأزواج يقعون في بعض الأخطاء اعتقاداً منهم أنهم يساعدون زوجاتهم لذلك يجب توخى الحذر ، فليس هناك داعي لشراء الملابس الخاصة بمريضات سرطان الثدي كناحية تعويضية ، ولا يجب حلق شعر رأس الزوج كمساندة ودعم لها ، لكن يمكن تقصير الشعر بصورة تدريجية حتى يبدو الأمر طبيعياً ولا يزيد عبئها النفسي بالتركيز على الأمر.

والمطلوب من الزوج أن يشعرها بالأجواء الطبيعية داخل المنزل ، وأنه لا يلاحظ أي تغيراً سلبياً عليها.

وفي النهاية تنصح فاطمة البربري مريضة سرطان الثدي بعدم اخفاء طبيعة مرضها عن المحيطين بها من الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل، لأنه ليس عاراً ويحتاج للمشاركة مع الأخرين للحصول على القوة النفسية لمرور الأزمة ، ولا توقفي حياتك بل استمري في ممارسة نشاطاتك في حال قدرتك على ذلك.

فاطمة البربري

فاطمة البربري

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني