أنا الذي ما ذقت لحم الضان/ أنا الذي لا حول لي أو شان/ أدعى إلى الموت ولم أدع إلى المجالسة”. بهذه الأسطر المعبرة عن الغبن والتهميش ونكران الجميل، ومن دون أن ينتبه، تحدث الشاعر الراحل أمل دنقل عن واقع ملايين المصريات من بنات وطنه، في قصيدته الشهيرة “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”، أو لعل “أمير شعراء الرفض” أراد أن تكون كلماته تلك لسان حال جميع المنسيين والمهمشين الذين نتذكرهم فقط وقت الحاجة إليهم، ثم ما يلبثون أن يعودوا إلى حظائر النسيان، فكانت نساء بلاده أول من نكأت سهام شعره جراحهن.
كان حظ المرأة المصرية من النسيان والتجاهل والتهميش عظيماً منذ ثورة العام 1919 التي ضربت فيها أروع الأمثلة لأدوار النساء في صناعة تواريخ الشعوب، حتى يومنا هذا الذي أنجزت فيه ثورتين مكتملتين وكانت طرفاً حاسماً في جميع ما سبقهما وواكبهما وتلاهما من إرهاصات وأحداث واستحقاقات، قبل أن تعود من جديد إلى الظل، تنتظر أن يُتصدَّق عليها بأيٍّ من حقوقها.

 

ما بين المطبخ والميدان

 

لم تكتف المرأة المصرية بإعداد الطعام في المنازل لملايين الثوار منذ اندلاع ثورة 25 يناير حتى يواصلوا اعتصاماتهم وهتافاتهم في الميادين، فما إن انتهت من هذا الواجب العائلي، حتى تبعتهم إلى الشارع، تشاركهم حلم بلادها الكبير، شريكة نضال عَزَّ عليها أن تترك أخاها الرجل بمفرده في الميدان، سواء أمام آلة القمع البوليسية في 25 يناير 2011، أو أمام ميليشيات المتطرفين، في 30 يونيو 2013، وبرحابة صدرها المعتادة، تطوعت المرأة لعبء الخروج إلى الميادين، إلى جانب عملها الذي تشير إحصاءات إلى أن عوائده تمثل 25% إلى 38% من دخل الأسرة المصرية، بحسب تقديرات متفاوتة لجهات عدة. بالإضافة إلى رعاية أبنائها وزوجها وتوفير متطلبات منزلها التي غالباً ما تكون المسؤولة الأولى والأخيرة عنها وفق الوضع السائد في معظم أسر المجتمع المصري.
ولفت الحضور الكاسح للمرأة المصرية في أحداث ثورة 25 يناير انتباه وسائل الإعلام حول العالم، ومنها مجلة “نيوزويك” الأمريكية التي نشرت تحقيقاً مطولاً عن الدور الذي لعبته المرأة في ميدان التحرير أثناء ثورة 25 يناير. وتوقفت “نيوزويك” أمام ما وصفته بـ”كسر حاجز التفرقة بين الجنسين، فلم يكن هناك نشاط نسائي، بل كانت النساء يطالبن بالتغييرات الدستورية نفسها التي يطالب بها جميع المصريين”.
وتحدثت حنان جرجس، مدير العمليات بالمركز المصري لبحوث الرأي العام “البصيرة”، عن أن نسبة مشاركة المرأة في الحياة السياسية قد ارتفعت بنسبة 64% عقب ثورة 25 يناير، وتحدثت أيضاً خلال ورشة عمل بعنوان “تطلعات المرأة المصرية بعد الثورة” عن ارتفاع نسبة المشاركة في صفوف النساء في انتخابات الرئاسة الأولى إلى 83%.
وما إن انتهت المرأة المصرية من تنظيف منزلها وترتيبه صبيحة الثورة، حتى انطلقت مصطحبة أبناءها وبناتها وصديقاتها إلى ميادين وطنها تشارك في تنظيفها وترتيبها، جنباً إلى جنب مع مئات من شباب الثورة تطوعوا لرفع المخلفات من حجارة وأتربة وأوراق ولافتات وحواجز خلفتها فعاليات الثورة في ميدان التحرير والشوارع المجاورة، مشاركة في رسم واحدة من أجمل اللوحات الشعبية التي تناقلتها وسائل الإعلام حول العالم.
تقول منال جبريل (18 عاماً – آنذاك)، طالبة بآداب عين شمس، في مقابلة مع صحيفة الاتحاد الإماراتية: “غضبت كثيراً حين رأيت على إحدى القنوات الإخبارية مشاهد لتكدس القمامة في شوارع القاهرة خاصة ميدان التحرير عقب نجاح ثورة 25 يناير. فأمسكت بالمكنسة وبدأت أنظف أمام منزلي بحي العباسية، ودعوت صديقاتي إلى فعل ذلك أيضاً أمام بيوتهن، ثم اتجهنا معاً بعد ذلك إلى ميدان التحرير لنقوم بواجبنا تجاه نظافة بلدنا”.
وتقول سمر عبدالله- طبيبة شابة في لقاء آخر مع صحيفة الاتحاد: “تلقيت رسائل sms على هاتفي المحمول تحمل كلمات “هيا نبني مصر.. هيا ننظف مصر” وجميعها تدعوني إلى المشاركة بالجهد والمال في تنظيف مصر، واتصلت بأصدقائي ومعارفي ودعوتهم لذلك”.

 

معاناة وراء معاناة

 

وتجشمت المرأة المصرية عناءً بعد عناء، وهي تعض بالنواجذ على حلم بلادها، فاتُّهمت بممارسة الدعارة في خيام الثوار بالميادين في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، ثم أخضعت لكشوف العذرية في المرحلة الانتقالية، القضية التي أحدثت جدلاً واسعاً في مصر والعالم. أما العناء الأكبر الذي تجشمته المرأة المصرية فتمثل في هذا السعار الذكوري الذي مزقت أظافر مرتكبيه لحمها في وقائع تحرش واغتصاب بشعة استهدفت ترويعها حتى لا تشارك في الحياة السياسية.

ونشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في مارس 2013 تحقيقاً نقلته صحيفة العرب اليوم، تطرقت فيه إلى استهداف الناشطات والمشاركات في المظاهرات بموجات اعتداءات جنسية جماعية. وخلال الذكرى السنوية الثانية للثورة، تحول ميدان التحرير إلى منطقة لا ينبغي للنساء أن تتوجه إليها، وخلال مظاهرة احتجاجية في ذلك اليوم ضد حكومة “الإخوان”، حدثت موجة من الاعتداءات الجنسية، وصل عدد ضحاياها إلى ما لا يقل عن 18 حالة، وفق تقديرات منظمات حقوق الإنسان، في حين يرى المجلس القومي للمرأة أن “العدد يزيد على ذلك بكثير، الأمر الذي أحدث صدمة في البلاد”.
وتجشم ملايين المصريات بعد أحداث الثورة، أيضاً، عناء الوقوف نهارات طويلة في طوابير كانت حديث الصحف والفضائيات ووكالات الأنباء داخل مصر وخارجها، صوتت خلالها على دستورين، وانتخبت برلمانين، ورئيسي جمهورية، في زمن وجيز، وبمعدلات مشاركة أكد الجميع أن أصوات المرأة خلالها قالت كلمة الحسم في كل استحقاق.
تقول الكاتبة الصحفية سكينة فؤاد، مستشارة رئيس الجمهورية لشؤون المرأة، في تصريحات لها تناقلتها الصحف المصرية: “المرأة استكملت مشاركتها في ثورتي 25 يناير و30 يونيو، وواصلت تاريخاً طويلاً من التضحيات من أجل وطنها, وعبرت عن عمق وعيها السياسي والإيماني والحضاري والثقافي”.
وعادت “فؤاد” فوصفت المرأة المصرية في مداخلة لها في برنامج “الرئيس السابع”، على قناة “التحرير” المصرية، بأنها “العمود الفقري” لنجاح العملية الانتخابية، قائلة: “لا أحد يصدق أن تقوم المرأة بكل ذلك، فمشاهدة المسنات وهن يشاركن في التصويت، تؤكد حرصهن على استقرار الدولة وإنقاذها من الإرهاب عن طريق انتخاب الرئيس الجديد”.
وتوقفت السفيرة المصرية ميرفت التلاوي، رئيس المجلس القومي للمرأة، في تصريح لوكالة أنباء الشرق الأوسط أمام إقبال المرأة المصرية على الإدلاء بصوتها، “غير عابئة بارتفاع درجات الحرارة”، ولفتت التلاوي إلى تنوع الفئات العمرية من النساء “بدءاً من الفتاة وصولاً إلى المرأة المسنة”.
وأفاد المركز المصري لحقوق المرأة، إبان الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بأن النساء تصدرن المشهد أمام لجان الانتخابات الرئاسية منذ الساعات الأولي لبدء الانتخابات.
وللمرة الأولى في تاريخ القوات المسلحة المصرية خرج المتحدث العسكري، في بيان رسمي للجيش المصري قال فيه “إن مشاهد اليومين الخالدين (14و15 يناير 2014) تشير بوضوح إلى دلالات حاسمة؛ فمشهد المرأة المصرية جدة وأمًا وابنة سيظل فى التاريخ رمزًا على وعى المرأة المصرية”.

 

ثم ماذا بعد؟

 

تشير صحيفة “لوس أنجليس تايمز” في تقرير يعود إلى مطلع مارس 2012، نقلته عنها صحيفة الشرق الأوسط، تحت عنوان “بعد الثورة في مصر.. يخفت رويداً شعور المرأة بالمساواة”، إلى أن “النساء كنَّ في المقدمة خلال الاحتجاجات التي أطاحت بمبارك، ولكن التمييز على أساس الجنس أكد استمراره”.
وكانت مجلة “نيوزويك” في تقريرها السابق، توافقت مع المفهوم نفسه حين تطرقت إلى أن “مسألة التفرقة بين الجنسين لا يمكن شطبها بسهولة في ثقافة تعاملت فيها النساء في نواح كثيرة كمواطنات من الدرجة الثانية”.
وبيّن تقرير حمل عنوان “حالة المرأة المصرية” صدر في مايو 2012 عن الجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات، ونشرته صحيفة الأهرام المصرية، أن عدد المقاعد التي حصلت عليها المرأة في البرلمان المنحل 11 مقعداً بما يعادل نسبة 2%، منهن 9 نائبات نجحن على مقاعد القوائم و2 تم تعيينهما. وقارنت كاتبة الأهرام أميرة صلاح هلال بين هذه النسبة ونظيرتيها فى مجلسىّ 2010 و2005, منتهية إلى أن نسبة تمثيل المرأة في مجلس الشعب بعد الثورة لم تختلف كثيرا عنها في مجلس 2005 (1.9%)، في حين أن هذه النسبة كانت 13.127% بعد تطبيق نظام الكوتة الذي سمح بوجود 64 مقعداً مخصصة للمرأة. أيضاً مجلس الشورى لم تختلف فيه نسبة تمثيل المرأة إذ جاءت 2%.
ودفعت هذه الأوضاع الأكاديمية آمنة نصير أستاذة الفلسفة الإسلامية والعقيدة، إلى وصف وضع المرأة بأنه “سيئ جداً” في حوار أجرته معها صحيفة الأهرام المصرية، يعود إلى مارس 2013، وذهبت “نصير” إلى أن المرأة “تم اغتيالها نفسياً ومجتمعياً واختزلوها فيما يهواه الرجل، إما تقف في طوابير طوال النهار حتى ينتفع بصوتها، أو أن تكون في البيت فقط”.
وكان المؤلم لجموع النساء أن يلاقين هذا التنكر من كثير من قوى سياسية، بعضها صعد إلى كرسي السلطة على كتفيها، إذ تضمن تحقيق “نيويورك تايمز” الأميركية الذي سبقت الإشارة إليه تصريحات ألقت باللائمة على المصريات في كل ما تعرضن له من انتهاكات، على شاكلة تصريح النائب الإسلامي المتشدد في مجلس الشعب المنحل عادل عبدالمقصود عفيفي بأنه “في بعض الأحيان تكون الفتاة هي السبب بنسبة 100% في تعرضها للاغتصاب”، في وقت كشف فيه بعض المسؤولين الإسلاميين السابقين عن “عداء دفين لمشاركة المرأة في العملية السياسية”، بحسب تعبير “نيويورك تايمز” فيتساءل النائب السابق عن حزب “الحرية والعدالة” المنحل، الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، رضا صالح الحفناوي، في إحدى جلسات البرلمان المنحل أيضاً، قائلاً: “كيف يمكن لوزارة الداخلية أن تحمي امرأة تقف وسط شلة من الرجال؟”. ويدين بعض المتشددين “مجرد قيام المرأة بالتعبير عن رأيها، ومشاركتها في الاحتجاجات”، وبلغ الأمر بالداعية أحمد عبدالله المعروف باسم الشيخ أبو إسلام، وكان نائباً بالبرلمان المنحل أيضاً، أنْ صرح عبر التلفزيون بأنه “يرى هؤلاء النساء يتحدثن كالغيلان، بلا أدنى خجل أو أدب أو خوف، وأن مثل هذه المرأة أشبه بالشيطان”، ويعرب عن دهشته من التعاطف مع مثل هذه النسوة “العاريات اللاتي ذهبن إلى ميدان التحرير من أجل أن يُغتصَبن”.
وتأتي هذه الاتهامات التي بلغت بشاعتها حد ادعاء أن المرأة المصرية التي خرجت تساند ثورة بلادها، تبحث عمن يغتصبها، في وقت كشفت فيه منى منير، عضو الهيئة العليا لحزب المصريين الأحرار، عن أن 65 % من المتحرَّش بهن سيدات محجبات ومنتقبات.
ويتعجب القيادي الناصري كمال شوقي الشيمي ممن “يعيبون على المرأة خروجها ومشاركتها ويتهمونها بأفظع الاتهامات إلى حد تبرير التحرش بها والشماتة في ضحايا العنف، وهؤلاء أنفسهم هم من وضعوا النساء في الصفوف الأمامية لتجمعاتهم، وحتى اليوم يحرضون طالبات الإخوان على الاحتكاك بعناصر الشرطة واستفزازهم. هؤلاء يتاجرون بكل شيء، والمرأة نالها القسم الأكبر من متاجرتهم. فحين تخرج الإخوانية تكون من الحرائر، وحين تخرج غيرها، تكون فاسقة تستحق التحرش بها”.
ويضيف الشيمي في تصريح للزميلة (الجزيرة أونلاين): “والغريب أن هؤلاء في بداية الثورة، كانوا يجلسون بين الثوار، ويدعون أنهم منفتحون، ويشيدون بأدوار الزميلات الناشطات السياسيات والحقوقيات، ويتحدثون معهن حديث الأصدقاء والإخوة، ثم فجأة تبدل الحال وسعوا إلى شيطنة كل امرأة غير إخوانية”. يهز رأسه آسفاً: “ما ينال المرأة بشكل عام مؤسف حقاً، فلا يعني أن هؤلاء ظلموها، أن الآخرين قد أنصفوها.. أبداً، فالمرأة المصرية ما زالت تراوح في مكانها، وهذا غير لائق، وليس من الوفاء”.

 

خارج الحسابات

 

ويبدو واقع المرأة المصرية بعد الثورة، كما لو كانت مواطنة في بلد آخر غير الذي ثار الناس فيه على كثير من أوضاعهم، إلا أوضاع المرأة التي تشير قراءات كثيرة إلى أن كثيراً منها، لم يطرأ عليه تغيير يذكر، بل ربما باتت أسوأ من ذي قبل، إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة تومسون رويترز وأعلنت عنه في نوفمبر 2013 وشمل اثنتين وعشرين دولة عربية، احتلال مصر المرتبة الأخيرة على القائمة من حيث احترمها حقوق النساء. واستندت نتيجة الاستطلاع إلى تقييم 336 خبيراً في حقوق المرأة لمدى احترام البنود الأساسية الخاصة باتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، إضافة إلى مدى انتشار ظاهرة العنف ضدها وتمتعها بحقوقها في الإنجاب، ونوع المعاملة التي تلاقيها داخل أسرتها، ودورها في السياسية والاقتصاد. وعد التقرير مصر أسوأ مكان في العالم العربي يمكن أن تعيش فيه المرأة.
وكشفت دراسة حديثة صدرت عن المجلس القومي للمرأة عن أن 28 بالمئة من السيدات المصريات يتعرضن للعنف الجسدي، وفق ما نقلته وكالة أخبار المرأة في نوفمبر 2014.
واحتلت مصر في تقرير للمركز المصري لحقوق المرأة بعنوان “2012 عام الخروج الكبير للمرأة المصرية”، المركز الأول على قائمة من الدول تراجعت فيها مكانة المرأة السياسية، حيث وصلت إلى المركز 126 لهذا العام، كما احتلت المركز 95 من بين 125 دولة من حيث وصول النساء للمناصب الوزارية، نظراً للتمثيل الهزيل بنسبة 10% فقط في الوزارة، كما احتلت مصر المركز الأخير من حيث تقلُّد المرأة منصبَ المحافظ بواقع (صفر). وبحسب التقرير نفسه، احتلت مصر المركز الثاني في التحرش الجنسي على العالم بعد أفغانستان، وإجمالا جاءت مصر في مركز متأخر بالنسبة للدول المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة، حيث احتلت المركز الـ 65 من بين 86 دولة من حيث التمييز ضد المرأة.
بل بلغ الأمر بعدد من السياسيين أن سعوا إلى تجريد المرأة المصرية من مكاسب كافحت عقوداً للحصول عليها، مثل قانونَي؛ الخلع، والرؤية والحضانة للأطفال، اللذين سعى نائبان من تيارات الإسلام السياسي لإلغائهما وفق طلبي إحاطة قُدما للبرلمان المنحل، لولا وقوف الأزهر في وجه الطلبين، وإقراره حقوق المرأة الثابتة بالقانونين، وقبلهما “بصحيح الكتاب والسنة”، وفق نصَّي قرارَي لجنتَي علماء الأزهر.
ويبدي طارق أبو سعاد، عضو حركة تمرد بمحافظة الفيوم، للزميلة (الجزيرة أونلاين) أسفه، لما وصفه بـ”حالة نكران عام لجميل المرأة علينا جميعاً”، قائلاً: “يحضرني كثيراً مشهد أمي –رحمها الله- وهي كل يوم على العشاء، بعد نهار من الوقوف الطويل في إعداد الطعام، تكون آخر من يجلس على الطاولة بعدما تحضر جميع الأطباق، وأول من يقوم لإعداد ما نشاء من مشروبات ساخنة وترتيب مطبخها، حتى تخلد للنوم مبكراً استعداداً للذهاب إلى عملها، مديرة لإحدى المدارس. كانت أمي تمضي معظم وقتها على مائدة الطعام تطمئن علينا وتطلب منا أن نأكل جيداً، حتى إني لا أتذكر على وجه التحديد متى كانت تأكل أمي؟”. يبتسم آسفاً: “هذا باختصار حال المرأة المصرية التي تعبت من الوقوف الطويل في الميادين وأمام لجان الانتخابات، تزغرد وترقص فرحاً بحرية بلادها واستبشاراً بمستقبلها، غير مبالية بمن يخوضون في عرضها من ناشطي تيار الإخوان المسلمين ومناصريهم وغيرهم من تيارات الإسلام السياسي، الذين لم يتورعوا أن يصموا مواطنات بلادهم بأبشع الأوصاف على مواقع التواصل الاجتماعي، تشفياً منهن، بعدما أدركوا أنهن حسمن الجولة لصالح الإرادة الشعبية، وأطحن بنظامهم، مرة بالخروج في الثلاثين من يونيو 2013، ومرة بالخروج بأعداد تاريخية للتصويت في الانتخابات الرئاسية، ثم في الأخير لا أحد يلتفت إليها، وها هي ذي المرأة تعود مثلما كانت قبل الثورة، تعقد الندوات والمؤتمرات من جديد للمطالبة بحقوقها الضائعة، فضلاً عن حظوظها القليلة بل النادرة في أن يكون لها تمثيل يليق بدورها في البرلمان المقبل، وأود أن أسجل هنا أن هذه تبقى مسؤوليتنا جميعاً، وليست مسؤولية الحكومة وحدها، فأزمة التمييز ضد المرأة في مجتمعاتنا، تبقى أزمة ثقافة”.

One Response

  1. Aishah Schwartz

    It was nice to see one of my photos from attending the 100th Celebration of International Women’s Day in Cairo, Egypt on March 8, 2011, included with this article. Thank-you; it also happens that this was published on the birthday of my deceased father, so that made finding the article an extra nice surprise. Jazakallahu khairan.

    See also: MWA Director, Aishah Schwartz, Attends 100th International Women’s Day Event in Cairo, Egypt
    http://aishahsjourney.blogspot.com/2011/03/mwa-director-aishah-schwartz-attends.html

    Best regards.
    Wa’Salaam Alaikum.
    Aishah Schwartz
    Hurghada, Egypt

    رد

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

ادخل الكود * Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.