سمرقند” ثاني أكبر مدن أوزبكستان بعد العاصمة طشقند، وصفوها منذ مئات السنين بجوهرة ما وراء النهر -المقصود نهر جيحون واسمه باليونانية ياكرانيس– فالمدينة الواقعة على طريق الحرير القديم، الذي ربط الصين بمراكز الحضارة العربية الإسلامية لقرون عدة، تاريخها ينافس روما وأثينا وبابل، حيث يصل عمرها إلى 2500 عام؛ أطلق عليها  الرحالة العرب اسم “الياقوتة  الراقدة على ضفاف نهر زرافشان”، و”جنة الشرق“، وكانت عاصمة للإسكندر الأكبر، وعاصمة الإمبراطورية الإسلامية في وسط آسيا، والمنافسة التاريخية لبخارى.

سمرقند” معناها وجه الأرض، وصفها “ابن بطوطة” قائلا: “إنها من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالا، مبنية على شاطئ وادٍ يعرف بوادي القصَّارين، وكانت تضم قصورًا عظيمة، وعمارة تُنْبِئ عن هِمَم أهلها”.

وبسبب شهرة سمرقند وتاريخها الطويل زعم البعض أن المدينة بناها ذو القرنين، الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، وهو الذي يعتقد البعض أيضا أنه الإسكندر الأكبر، بينما يرجِّح آخرون أن قورش مؤسِّس دولة الفرس -إيران- هو الذي أسسها، ويبدو أن العرب المسلمين كانوا شديدي الاعتزاز بسمرقند، حتى أن ياقوت الحموي في موسوعته “معجم البلدان” قال: إن الذي بنى المدينة هو شمر أبو كرب الملك العربي اليمنى القديم، ثم تحرفت الكلمة إلى شمركند، ثم إلى سمرقند،
وكلمة “قند” فارسية تعني مدينة، ولكن لم يذكر أحد تفسيرا مقنعًا حتى الآن لكلمة “سمر“.

كانت سمرقند مدينة غنية مليئة بالذهب والفضة والحرير والخزف والثروات الطبيعية، وكان أهلها وثنيين يعبدون أصناما، صنعوها من الأحجار المرصعة بالجواهر، وعندما دخلها الدين الحنيف، اشتهرت بتخريج علماء الدين.

سماحة وشهامة الفاتحين

دخل العرب سمرقند عام 87هـ ، 712م على يد القائد قتيبة بن مسلم، إبان حكم الخليفة الزاهد عمربن عبدالعزيز، ووراء ذلك قصة تدل على سماحة وشهامة المسلمين.

فحينما اقترب الجيش الإسلامي من مشارف المدينة، أمر القائد قتيبة الجيش بأن يختفي خلف الجبل، ثم يفاجئ من فيها بهجوم كأنه إعصار من شدته وسرعته، فهرب الكهنة إلى المعبد الكبير وسط الجبال، واختبأ الأهالي في بيوتهم، وبعد وقت أرسلوا أطفالهم لجلب الماء والطعام، فوجدوا أن المسلمين لا يتعرضون لهم، بل كانوا يساعدونهم بكل بشاشه، فاطمأنوا للفاتحين وعادوا إلى محالهم ومزارعهم وممتلكاتهم، فوجدوها كما هي لم ينقص منها شيء، ووجدوا المسلمين أمناء في تجارتهم لا يكذبون ولا يغشون، ويقضون بين الناس بالعدل.

فكر الكهنة في الاستفادة من عدل المسلمين، فأرسلوا شابا إلى أمير المؤمنين، يشكو له استخدام الجيش الإسلامي للخدعة في دخول المدينة، ولم يخيروا أهلها -كما جرت العادة-، وصل الشاب إلى دمشق وسأل عن بيت “حاكم المسلمين“، فوصفوا له المنزل، فإذا به بيت قديم من طين، ووجد رجلا بجوار الجدار يصلحه، وثوبه ملطخ بالطين، فرجع لمن وصف له المنزل، وقال له : “أتهزأ بي يا رجل، أسألك عن أميركم ترسلني لشخص فقير يصلح الجدار”. فما كان من المسلم إلا أم أخذ الشاب إلى بيت عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين، الذي كان يحكم بلادا تمتد من الصين إلى فرنسا، وقال له هذا هو الأمير، فاندهش الفتى وهو يتذكر كهنتهم المتكبرين على الناس.

تقدم الشاب  إلى عمر بن عبد العزيز،  وحكى له إن قتيبة بن مسلم دخل سمرقند غدراً “دون دعوة أحد إلى الإسلام ولا منابذة ولا إعلان”!

أطرق الخليفة قليلاً ثم قال: “والله ما أمرنا نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا كما قلت، ثم أعطى الشاب ورقة مختومى إلى القاضي في سمرقند. 

عاد الشاب إلى سمرقند وسلم القاضي الورقة  فحدد القاضي للكهنة يوما في المسجد، ثم أمر بجمع الناس وبحضور قتيبة بن مسلم قائد أقوى جيش يصول في الأرض.

وكان قتيبة قد أكمل المسير نحو الصين في فتوحاته، فلما أتاه أمر القاضي عاد من فوره وحين  دخل المسجد قال له القاضي: “اجلس بجوار خصمك”.
وبدأت المحكمة، سأل القاضي الكاهن بصوت هادئ :”ما قولك؟ ” فقال: “إن القائد قتيبة بن مسلم دخل بلدنا غدراً، من غير منابذة ولا دعوة إلى الإسلام ولا طلب جزية”. فالتفت القاضي لقتيبة مستفهماً فقال قتيبة : “إن الحرب خدعة وهذا بلد عظيم، أنعم الله به علينا، وأنقذه بنا من الكفر وأورثه المسلمين”.  فسأله القاضي: “هل دعوتم أهله إلى الإسلام أو الجزية أو القتال؟”  فأجاب قتيبة: “لا ولكننا دخلناه مباغتة “.
قال القاضي: “قد أقررتَ يا قتيبة، والله ما نصر الله هذه الأمة إلا بوفائها بما ائتمنت عليه من عهود الله، “وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا”.
وحكم القاضي بأن يخرج جميع المسلمين كافة من سمرقند خفافاً كما دخلوها -أي بلا مكاسب تجارية- ثم يُعطَى أهلها إنذارا لمدة شهر بأن يسلموا أو يدفعوا الجزية أو القتال، خرج المسلمون من المدينة، ومعهم القاضي أمام الكهنة الذين لم يصدقوا إلا بعد أن خلت المدينة من المسلمين، فما كان من الأهالي إلا أن دخلوا في الإسلام طواعية، وطلبوا من المسلمين العودة إليها.

تشهد المساجد الكثيرة والتي هي  من أهم معالم سمرقند الأثرية، على تاريخ المسلمين فيها، منها:

المسجد الجامع الذي شيد في أواخر القرن الرابع عشر، ويطلق عليه اسم “مسجد بيبي خانم” زوجة تيمورلنك الكبرى، الذي وضع أساس المسجد في أعقاب حملته الناجحة على الهند، وفي الجانبين الشمالي والجنوبي منه يقوم مسجدان صغيران لكل منهما قبة تواجه الأخرى.

كوارث

تعرضت سمرقند عبر تاريخها، لويلات وكوارث عديدة من فعل الإنسان أهمها تدمير الإسكندر المقدوني لها عام 329 ق . م، الذي أعاد احتلالها عدة مرات وسوّاها بالأرض، إبان قتاله مع “السبتاميين”، وكانت تعرف وقتذاك باسم “مرقندا”، وتبدل الاسم فيما بعد إلى “إفراسياب” حتى عام 1220م، عندما هاجمتها جحافل المغول بقيادة جنكيز خان، الذي أمر بتدمير كل ما كان في المدينة، حسبما تذكر المصادر التاريخية، أما التدمير الثالث فكان على أيدي “الأوزبك“،
حوالي منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، قبل أن تعتنق الإسلام.

أسرار صناعة الورق

اشتهرت سمرقند عبر التاريخ بالمنسوجات والسجاد، إلا أن أشهر ما عرفت به هو “الورق السمرقندي“، الذى انتقلت إليها سر صناعته عن الصين، ومنها إلى بغداد، فعندما وقع الكثير من الصينيين في الأسر في سمرقند، تم تخييرهم  بين الرق وبين الحرية، إذا علموا المسلمين حرفة، فآثروا العتق ونقلوا للمسلمين سر صناعة الورق.

أهم الآثار

ـ اشتهرت سمرقند بكثرة القصور التي شيدها “تيمورلنك” حفيد جانكيز خان، ومنها:  قصر دلكشا ـ القصر الصيفي ـ ؛ الذي تميَّز بمدخله المرتفع المزدان بالآجُرّ الأزرق والمُذَّهب، وقصر باغ بهشت “روضة الجنة”، شُيِّد فوق ربوة عالية من الرخام الأبيض المجلوب من “تبريز“، وكان يحيط به خندق عميق مليء بالماء، وعليه قناطر تصل بينه وبين المنتزه، وقصر باغ جناران الذي اشتهر باسم “روضة الحور”؛ لأنه كانت تحوطه طرق جميلة يقوم شجر الحور على جوانبها.

من أهم أعلام سمرقند:

محمد بن عدي بن الفضل أبو صالح السمرقندي، وأحمد بن عمر الأشعث أبو بكر السمرقندي، وأبو منصور محمد ابن أحمد السمرقندي، وهو فقيه حنفي له كتاب “تحفة الفقهاء”، ومحمد بن مسعود السمرقندي صاحب التفسير المعروف بتفسير “العياشي“، وكان من المحدثين والأطباء والنجوميين، ومن أعلامها أيضا نجيب الدين السمرقندي الطبيب الذي عاصر فخر الدين الرازي، وشمس الدين السمرقندي العالم والمنطقي والفلكي والأديب.

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني