منذ نحو 5 آلاف عام، كانت الحضارة المصرية قد بلغت أوج ذروتها، وكان ملوكها الفراعنة على قدر كبير من الثراء والقوة، فقرروا أن يعلنوا عن انتصاراتهم، من خلال أعمال فنية مبهرة، تحكي هذه العظمة لكل من يمر عليها، فكانت “المسلات” التي تميز بها الفراعنة عن غيرهم من ملوك العالم القديم، هذه الأعمال الفنية الرائعة بمثابة مؤثرات خاصة للمصريين القدامى، استولت على عقولهم، وساعدت الفرعون بجانب المجسمات الضخمة على بسط سلطانه على الشعب.

كانت هذه المسلات إذن “فضائيات العالم القديم”، التي تنشر إنجازات الفراعنة عبر العصور، إنها رماح شمسية لمّاعة منحوتة من حجر الجرانيت القوي، الذي كان يتم جلبه من جبال أسوان بأقصى جنوب مصر.

كلمة مسلة مشتقة من اللغة الإغريقية وتعني “خنجر”، فالمسلات أعمدة ضخمة قاعدتها كبيرة ثم تضيق باتجاه الأعلى حتى تنتهي بحافة مدببة، لذلك تبدو كالخناجر، وهى فن معماري رائع وجميل، حيث كان يُغطَى طرفها الأعلى بالذهب أو الفضة أو النحاس؛ لتبدو من بعيد متوهجة كقرص الشمس تعكس الضوء لمسافات بعيدة، ولكن هذه المعادن الثمينة تعرضت للنهب، ولم يبق سوى الأعمدة الحجرية الضخمة.

أشهر المسلات المصرية القديمة، كانت قائمة في معبد الكرنك، والتي أقامها الملك تحتمس الأول وكان عددها 13 مسلة، ولم يبق منها الآن إلا ثلاث فقط.

أما أشهر مسلتين فهما المسلتان التوأمان وقد أطلق عليهما اسم “إبرة كليوباترة”، شيدتا منذ أكثر من 3500 عام وتوجد إحداهما الآن في نيويورك، بينما توجد الأخرى بالقرب من نهر التايمز بلندن
ـ مسلتا حتشبسوت فى معبد الكرنك، وتعد أطول المسلات فى مصر، ويقال إن هذه الملكة العظيمة أول من أقام المسلات المصرية، وكانت تريد أن تشيدها من الذهب الخالص، لكنها اكتفت بتغطية قمتها بهذا المعدن الثمين.

مسلة باريس

تحتل المسلة المصرية العملاقة وسط الكونكورد فى باريس مزينة بالكتابة الهيروغليفية، ويعود تاريخ هذه المسلة إلى فترة حكم الفرعون رمسيس الثاني

مسلة لندن

إحدى مسلتى “حتشبسوت”، توجد الآن في لندن بالقرب من نهر التايمز، قدمها هدية إلى بريطانيا الوالي العثماني لمصر -في ذلك الوقت- محمد على باشا، تكريما لانتصار اللورد نيلسون قائد الأسطول البريطاني، على الجيش الفرنسي في عام 1801، الذي كان يحتل مصر، لكن ظلت المسلة في الإسكندرية حتى عام 1887، عندما رعى السير وليام جيمس ايراسموس ويلسون نقلها إلى لندن، بتكلفة بلغت 10آلاف جنيه إسترليني وخلال الحرب العالمية الأولى أصيبت المسلة بأضرار نتيجة سقوط قنبلة من طائرة ألمانية بالقرب منها وما زال الضرر موجودا حتى الآن.

مسلة نيويورك

بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، أعلن الخديويِ إسماعيل عن رغبته في إهداء مسلة مصرية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حتى يسهل العلاقات التجارية، لكن ابنه الخديوِى توفيق هو الذي أهداها لأميركا رسميا بخطاب موقع في 1879، وبعد نقلها في سفينة خاصة فى رحلة استغرقت 4 أشهر استقرت فى موقعها الحالي فى حديقة “سنترال بارك” بمدينة نيويورك أكبر حدائق مانهاتن، ويبلغ وزنها 244 طنا من الحجر الجرانيتي.

تحتوي مسلتا لندن ونيويورك على نقوش باسم تحتمس الثالث فرعون مصر في القرن الرابع عشر ق.م، وعلامات أخرى أضافها الفرعون رميس الثاني في القرن 12 ق.م

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني