اسم “الفالس” يأتي من مفردة walzen وهو فعل في اللغة الألمانية المشتق من الفعل اللاتيني volvere ، الذي يصف حركة الدوران وهي الحركة المميزة لرقصة الفالس، نشأ الفالس وتطور في بيئة فلاحية في ضواحي فيينا عاصمة النمسا ومناطق من جبال الألب المطلة على النمسا، إذاً فالفالس رقصة نمساوية ألمانية شعبية، وتعني الدوران والانزلاق، وفي أواسط القرن السابع عشر عُزفت موسيقى الفالس في بلاط هابسبورغ، ودخلت لندن في بدايات القرن التاسع عشر وفي عام 1934 شاعت هذه الرقصة في المجتمع الأمريكي وعند كافة المستويات من شرائح المجتمع، وأصبحت الرقصة شعبية في ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، و أدى انتشارها بين الشبان والشابات إلى تحريم السلطات للرقصة لكونها غير محتشمة. وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين قام موسيقيين بتأليف الفالس للسماع أكثر من الرقص، ومن أشهر من ألّف موسيقى الفالس “يوهان شتراوس الابن” 1825-1899 حيث يُلقب يوهان الثاني بملك الفالس، غير أن أباه سبقه إلى تأليف مقطوعات الفالس ولقب بمؤسس عصر الفالس، و من أشهر مقطوعات الفالس التي ألّفها يوهان “الدانوب الأزرق” عام 1866 وهو أول فالس غنائي يؤديه كورال، وألّف في السنوات التي تلتها كثيراً من مقطوعات الفالس منها “حكايات من غابات فيينا”، و”فيينا الجديدة”، و”ألف ليلة وليلة”، وفي عام 1888 ألّف “الفالس الإمبراطوري” على شرف الإمبراطور فرانسوا جوزيف الذي حكم عرش فرنسا لمدة أربعين عاماً، ويعد هذا الفالس أجمل ما ألّف، وظهرت موسيقى الفالس في عدة مسرحيات غنائية “اوبريت” ورقص ايقاعي “باليه”.

الفالس بنكهة العربية

وفي الموسيقى العربية فإن بعض الموسيقيين يرون أن وزن الفالس معروف في الموسيقى العربية ويسمى السرمند مع اختلاف في المقاييس، ومن يتابع إيقاع بعض الموشحات الأندلسية يلاحظ أن إيقاع بعضها تحتوي نوتات الفالس أو السرمند مثل موشح “يا غصن نقا مكللاً بالذهب” وموشح “الغصن إذا رآك مقبلا سجدا”، إلا أن الفالس الغربي الذي وصل إلى مصر واستمع إليه أهل الفن لم يقربه أحد حتى ظهر موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب الذي حمل على عاتقه تطوير الموسيقى العربية وشعبنة الغناء داخل قوالب مختلفة، وقد أتيح له الاطلاع على ما أنتجه الغرب في التأليف الموسيقي والأداء الغنائي، فحاول في وقت مبكر تطوير موسيقاه وأدائه بما استقر في وجدانه من الموسيقى الغربية.

وفي عام 1928 لحن أغنية “أهون عليك” من كلمات محمد يونس القاضي وأدى المقطع الأول والثاني منها بالطريقة الأوبرالية، والمقطعين الأخيرين على وزن الفالس، ثم غنى في عام 1937 أغنية ” الظلم دا كان ليه” من كلمات أحمد رامي في فيلم “يحيا الحب” وهو مايظهر بوضوح أثر الفالس في بعض أغاني محمد عبد الوهاب، فقد كان الفالس مضمنا تضمينا مقصودا لاختبار مدى تقبل الذائقة العربية للتجديد المقتبس من الموسيقى الغربية سواء في الأداء أو الإيقاع وباعتبار أن أحدا لم يعترض على هذا التجديد فقد استمر محمد عبد الوهاب في محاولاته، أيضاً لُحن لعبد الحليم حافظ على وزن الفالس في أغنية “جبّار”، وغنت أم كلثوم على وزن الفالس في “أنت عمري”، و”دارت الأيام”، وكان أيضاً فريد الأطرش من متتبعي فن محمد عبد الوهاب وما يبدعه من صنع إيقاعات غربية بصيغة عربية، فلحن عام 1944 على وزن الفالس أغنية “ليالي الأنس في فيينا” وسَجَّلت هذه الأغنية لفريد ريادته للفالس المغنّى بلا منازع.

كذلك ليلى مراد لديها ثلاث أغنيات على وزن الفالس “أنا قلبي دليلي” من الحان القصبجي، و “ليلى بنت الفقراء”، و”حبيب الروح”، وفي ستينات القرن الماضي غنى محمد فوزي أغنية “يا نور جديد” وكانت على وزن الفالس وقد استخدم الكورال والتوزيع الموسيقي على نحوٍ غير مسبوق لتأتي أغنية فالس غنائي كامل.

بالإضافة إلى ذلك، اعتمدت بعض اغاني السيدة فيروز على هذا الإيقاع، كأغنية “يا لور حبّك” من مسرحية “ميس الريم”، أغنية “ضاعوا منا” والتي كانت بمثابة احدى الأعمال النادرة التي جمعت فيروز بالموسيقار منير بشير، وأغنية “إيه في أمل” في البومها الأخير من تلحين نجلها زياد الرحباني، اما عن السيدة ماجدة الرومي، فأدّت أغنية “العالم إلنا” مؤخرا والتي نُظِمَت كلماتها على ألحان “الفالس الثاني” العريق للموسيقار الروسيّ ديميتري شوستاكوفيتش والذي قدمه في عام 1955.

في النهاية موسيقى الفالس حضرت الى حد ما داخل الأغنية العربية، وذلك لأن العرب في الأصل أُمة غناء لا أُمة موسيقى مجردة، وهناك ثلاث أغاني فقط تعد من الفالس الغنائي الكامل، وهي “أنا قلبي دليلي”، و”إحنا الاثنين” وغنتهما ليلى مراد، و”يا نور جديد” غناها محمد فوزي، وكمحصلة نهائية يبقى الفالس رقصة جميلة يؤديها الراقصون دون أن تصل إلى المستوى الشعبي، ويبقى يوهان شتراوس الابن ملك الفالس بلا منازع.

 

دارت الأيام

 

 

ليالي الأنس في فيينا

 

 

في أمل

 

العالم إلنا

 

 

 

 

2 تعليقان

  1. شريف الشمالي

    لا شك أن الغاية من ادخال ايقاع الفالس في الغناء الشرقي لم يتوخى منه الرواد تحويل اللحن الشرقي للحن غربي صرف لهذا حافظوا على المقام الشرقي بالرغم من ارتكازه على الايقاع الغربي مع تطعيمه بجمل موسيقية شرقية و هذا يبرز جليا في ثلاث اعظم فالسات عربية و هي ليالي الانس في فيينا و حبيب العمر و أدي الربيع و كلها من تلحين الموسيقار فريد الاطرش مع عدم اغفال قيمة فالس انا قلبي دليلي لمحمد القصبجي الذي بالرغم من جماله لم يخضع لقاعدة استغلال ايقاع الفالس في تطوير الموسيقى الشرقية بل عد من بعض النقاد عملا تغريبيا بحتا للغناء الشرقي…و للإشارة فإن اغنية جبار التي أداها عبد الحليم بصوته هي من تلحين الملحن محمد الموجي و ليس محمد عبد الوهاب ….شكرا سلفا على المقال الجميل و على النشر المفترض لتعقيبي المتواضع

    رد

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني