تتغير معالم شخصية الفتاة بسرعة ملحوظة، وتختلف طبيعتها شيئاً فشيئاً وهي في طريقها إلى عالم الأنوثة، خصوصاً عندما تمر بفترة البلوغ المبكر، وحينها وتبدأ الفتاة طرح أسئلة عما يدور في دواخلها جسدياً وما تعيشه من اضطرابات نفسية. الدكتور أحمد عامر استشاري أمراض النساء والولادة حدثنا عن محاور عدة لموضوع البلوغ المبكر لدى الفتيات.

يقول الدكتور عامر: البلوغ مرحلة عمرية تمتد بين سن الطفولة وسن القدرة على الحمل والإنجاب. وتحدث خلال هذه الفترة مجموعة من التغيرات الفيزيائية والسيكولوجية الناتجة من نشاط بعض غدد الجسم وزيادة هرمونات الأنوثة أو الذكورة. وتبدأ هذه التغيرات عادة بين التاسعة والثالثة عشرة، وتمتد أربع إلى خمس سنوات حتى يتم البلوغ بنزول الدورة الشهرية للمرة الأولى. وتوجد مظاهر عدة للبلوغ، منها: طفرة في نمو الجسم قبل ظهور العلامات الأخرى للبلوغ بعام على الأقل، نمو الثدي نتيجة إفراز هرمون الأنوثة «الإستروجين» من المبيض ويمتد ثلاث سنوات تقريباً ما بين 9-11 سنة، وظهور شعر بمنطقة العانة والإبط نتيجة هرمون الذكورة من الغدة الجاركلوية والمبيض، ثم نزول الدورة الشهرية «الحيض»، وهو آخر حدث في تسلسل البلوغ، وهو أكثر ما يلفت نظر الأسرة، ويحدث عادة بين 12-13 سنة نتيجة التغيرات الهرمونية. وبالقطع يصاحب هذه التغيرات تغيرات نفسية تنعكس على السلوك الشخصي.

علامات البلوغ المبكر

ويوضح عامر: البلوغ المبكر هو بداية ظهور العلامات السابقة قبل سن الثامنة، وهو غالباً ما يحدث نتيجة نشاط مبكر لمحور «ما تحت المهاد البصري ـ الغدة النخامية ـ المبيض» Hypo thalamic-pituitary-ovarianaxis وما يصاحبه من إفراز هرمون الأنوثة «الأستروجين» الذي يؤدي بدوره إلى ظهور الصفات الأنثوية الثانوية «علامات البلوغ». وقد يحدث البلوغ المبكر دون سبب عضوي مرضي في 75 إلى 90 في المئة من الحالات. وعادة لا يؤثر البلوغ المبكر في مستقبل الأنثى؛ فبعده تعيش حياة طبيعية من حيث القدرة على الحمل والإنجاب. وهناك أسباب فرعية لا ترتبط بمرض أو خلل عضوي، ولكنها نتيجة مؤثرات خارجية مثل: مستوى المعيشة، والعادات الغذائية، والمناخ، ومستحضرات التجميل وبعض الأغذية والنباتات التي تحتوي على هرمون الأنوثة.

ويضيف: 10 في المئة من الحالات يكون السبب في البلوغ المبكر مرض عضوي في الجهاز العصبي المركزي CNS كالالتهابات أو الأورام أو استسقاء الدماغ أو وجود ورم بالمبايض يزيد من إفراز هرمون الأنوثة، أو نقص في هرمون الغدة الدرقية. وأحياناً يكون البلوغ المبكر جزءاً من متلازمة Mc-Cune Albriht حيث تظهر بقع جلدية مع ضعف وهشاشة بالعظام. وهذه الحالات على درجة كبيرة من الخطورة تستوجب سرعة التشخيص والعلاج.. ومن المنطقي أن يكون العلاج على حسب الحالة وبواسطة متخصصين في هذا المجال الدقيق.

المضاعفات والاضطرابات

يشير الدكتور أحمد عامر إلى أن البلوغ المبكر عادةً يصاحبه مضاعفات عدة، منها:

أولاً: الاضطرابات النفسية؛ إذ كثيراً ما تخجل الطفلة في هذه المرحلة العمرية من التغيرات الجسمانية التي طرأت عليها مثل نمو الجسم والثديين بصورة تختلف عن قريناتها، وغالباً ما تميل إلى العزلة محاولة إخفاء ثدييها بانحناء الظهر قليلاً للأمام وتجنب الجلوس مع الناس، حتى مع أخواتها. وإذا تُركت الطفلة دون رعاية خاصة وتفهم لحالتها النفسية فقد تصاب بالاكتئاب وزيادة الوزن؛ مما يضاعف المشكلة.

ثانياً: قصر القامة الدائم؛ فقد يحدث انغلاق مبكر لمراكز النمو برأس العظام الطويلة، وينتج منه توقف زيادة الطول مع السن، وهو من المضاعفات الخطيرة التي تزيد من الاضطرابات النفسية.

ثالثاً: إذا تعرضت الطفلة في هذه السن الصغيرة إلى اعتداء جنسي؛ فقد يحدث حمل، وهو من أخطر الأمور التي تزيد من قلق الأسرة، وتزيد من فرض القيود عليها؛ فلا تتمتع بطفولتها كما يجب؛ مما يؤدي بالقطع إلى مضاعفة الاضطرابات النفسية!

الاحتواء وطرق العلاج

حول استيعاب الأبوين لهذه المرحلة يقول الدكتور أحمد عامر: عادة تستوعب الأم ابنتها أكثر من الأب؛ فالأب لا يراعي هذه الظروف غالباً، وأحياناً نجد غيرة من الفتاة على أبيها حباً، لكنها لن تستطيع مصارحته بالأزمة العاطفية التي تمر بها بخلاف الأم التي تستطيع أن تحتوي مشكلات البنت مهما كانت أحجامها. أما العلاج فيتمثل بنسبة كبيرة في التأهيل النفسي Psycho Therpy خصوصاً في الحالات التي ليست لديها أسباب عضوية. والتأهيل النفسي لا يقتصر على الفتاة، وإنما يجب التحدث إلى الأب والأم وتوضيح أسباب حدوث ذلك، مع توضيح أهمية التعامل مع ابنتهما برفق وهدوء ومحاولة تجاوز المشكلة، والتحدث معها بصراحة ووضوح وبناء صداقة معها. وأيضاً تشجيعها على اختيار صديقاتها مع مراقبتها عن بُعد للحفاظ على مشاعرها وترسيخ الثقة لديها.

وينصح الدكتور أحمد بأن تتقرب الأم من البنت وتشرح لها طبيعة التغير وتعرفها بأن هذه التغيرات طبيعية، ولا بدَّ من حدوثها يوماً ما، حتى يتم البلوغ الكامل. كما أن على البيت محاولة تشجيع البنت على تجاوز هذه المرحلة ومساعدتها نفسياً وفكرياً، وإبعادها رويداً رويداً عن التفكير في مثل هذه التغيرات، من خلال تنمية الهوايات والمهارات التي تتمتع بها مع تشجيعها على ممارسة الرياضة المفيدة والمناسبة لها إلى جانب استغلال أوقات الفراغ بالقراءة والاقتراب من الأمور الدينية والاهتمام بالتعليم؛ ليتم التحول إلى التفكير المنتج وعدم الانشغال بهذا الجانب.

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني