المرأة في صعيد مصر منذ سنوات بعيدة كانت تحظى بمكانة خاصة جداً في الأسر المصرية، حيث كانت حجر الزاوية الأول، وهي صاحبة المشورة والمحرك الأول للرجل، وفي بعض الأحيان تكون كبير العائلة عندما تكون أرملة رجل مُهم مثل العمدة أو شيخ البلد وتصبح “الكبيرة” التي يلجأ  إليها رجال العائلة للمشورة في كل شيئ.

لصعيد مصر عادات مختلفة عن أسر الوجه البحري والقاهرة، وخاصة في تلك العادات المتعلقة بالمناسبات من زواج ومراسم الجنازة والأعياد وغيرها من الأمور.

الزواج في صعيد مصر قديماً كان بمثابة بحث عن كنز، والتي تقوم باختيار العروس للشاب الأم أو الأخت أو العمة أو الخالة، بعد البحث المطول عن العائلات المناسبة من حيث السمعة والأصل.

وينفق الرجل من أجل المرأة النفيس من الذهب والفضة والشوار، وتقام الأفراح والولائم لمدة خمسة عشر يوماً ويجتمع أعيان القرى وكبرائها للاحتفال بالعروسة والعريس.

أما العادات المتعلقة بالزواج في التراث الشعبي في صعيد مصر لا تختلف كثيراً عن بعضها البعض، وتناول الكاتب محمد شحاتة علي في كتاب “أغاني النساء في صعيد مصر” عينة بحث بمركز “البداري” جنوب محافظة أسيوط على الحدود مع مركز “ساقلته” التابع لمحافظة سوهاج في السبعينات، رصد خلالها عادات الزواج الشعبية التي تمر بمراحل  متشابهه في كل الصعيد في الستينات والسبعينات :

1- الخطبة: معظم علاقات التصاهر تقتصر على الأقارب من أبناء وبنات العم والخال ، والقليل جداً من يقوم بالارتباط من خارج العائلة.

قبل الخطبة تقوم أم العريس بزيارة بيت العروس للمعاينة، ورؤية شعرها وتذوق المشروبات التي تقوم العروس بتحضيرها، وتقوم أم العريس باحتضان العروس لتشم جسدها وأنفها حتى تتأكد من عدم خروج رائحة كريهة منها، ويسمون من لها رائحة  بأنها “بخرة”، وبعد أن تطمئن الحماة لها يتم تحديد موعد الخطبة.

في موعد آخر يذهب أهل العريس بدونه إلى بيت العروسة “بالذبيحة” وهي عبارة عن ماعز أو خروف و لحوم أو قفص فاكهة (حسب امكانيات العريس) ويحددون موعد العرس.

2- بيت الزوجية وشوار العروسة: في السبعينات كانت الحالة الاقتصادية ضعيفة، فكان لا يحظى العريس إلا بغرفة واحدة في منزل العائلة الكبير، وكان عش الزوجية مبني بالطوب اللبن من طابق واحد أو ملحق بغرفة علوية، والحجرة تسمى “الخزانة” الجزء الخارجي منها مكان لخزين ما تحضره العروس معها من ملابس وأطباق وأواني وطبلية وأكواب وسبرتاية -أداة طهي صغيرة تعمل بالغاز-  والنصف الداخلي هو مكان مخصص لنوم الزوجين وهو عبارة عن حصير ولحاف من القطن ومخدة، أما ميسورى الحال فيحضرون سرير من النحاس بأربع عمدان.

تحضر الفتاة من بيت والدها بصندوق خشبي يحتوي على جميع ملابسها والأجهزة التي تستخدمها في الطبخ والغسيل والخبيز، وكانت المنازل تضاء “بلمبة الجاز” ويطبخون على “الكانون” المصنوع من الطين.

3- ليلة الحناء: يقوم كلاً من أهل العريس وأهل العروس بعمل ليلة حناء في منزل كلاً منهما، ويقوم الشباب بالغناء والرقص في منزل العريس ثم تحمل الفتيات الحنة من منزل العريس ويذهبن سيراً على الأقدام إلى بيت العروس ويصاحبهن شباب وفتيات العائلة .

ويقضون عدة ساعات في منزل العروس حتى تنتهي “الداية” من عمل الحناء للعروس، وتختار فتاة عزباء من أب وأم على قيد الحياة لتقوم بوضع الحناء في يد العروس وقدميها، أما العريس فتقوم إحدى فتيات العائلة أو اخته بوضع الحناء في يده وقدمه دون عمل رسومات.

4- الحلي وملابس ليلة العرس: يحضر العروس لعروسه أسورة وخلخال من الفضة، ولكن لابد من إحضار كردان من الذهب سواء كانوا من الفقراء أو الأغنياء.

أما الأغنياء فيحضرون أساور وخلخال وكردان وحلق من الذهب، ويلتزم العريس بإحضار كل ذلك قبل عقد القران لترتديها ليلة العرس .

ترتدي العروس ليلة العرس فستان من الحرير الأحمر فوق ملابس داخلية بيضاء، ووجهها مغطى بطرحة حمراء وطرحة أخرى مشغولة بالتل وترتدي حذاء أسود أو أحمر، أما العريس يرتدي قفطان أبيض وعليه “جبة” من الصوف مع خف جلد في قدمه وشال أبيض على كتفه.

5- وسيلة النقل وموكب العروس: يتحرك موكب العريس بالطبل والمزمار مع الشباب متجهين إلى العروس لإحضارها على الجمل الذي يوضع على ظهره “الطرطخان” وهو عبارة عن صندوق مزخرف بالقماش وجريد النخل لجلوس العروس بداخله وحولها أربع فتيات من العائلة، وأحياناً تركب الحصان عندما تكون المسافة قريبة.

6- الغناء والرقص: الاحتفال لا يقتصر على ليلية واحدة، ولكنه يستمر 15 يوماً قبل يوم العرس، فيأتي أصدقاء العريس مساء كل يوم للرقص والغناء على دقات الطبل حتى يوم العرس.

أما يوم العرس يشترك شباب العائلة بتحضير “الدكة الخشبية” ليتناول الضيوف الطعام، وفي المساء يذهب الشباب لإحضار العروس من منزلها إلى منزل زوجها، ليبدأ الرقص بالعصا والغناء على أنغام المزمار البلدي، والتحطيب الذى يلقى قبولاً لدى الحضور.

النساء وبنات العم والخال والصديقات يقومون بالغناء في منزل العروس ويقتصر الأمر على طبلة صغيرة تصاحب غناء ورقص الفتيات، والعائلات الغنية يقومون بإحضار راقصة يطلق عليها “الغزية”.

تستعرض الفتيات مهارتهن في الرقص لجذب أعين الشباب لهن، ومايفعله الشباب من إظهار قوتهم في التحطيب ماهو إلا للفت نظر الطرف الآخر تمهيداً للزواج، واختيار شريكة الحياة.

7- النقوط: “النقطة” يوم الفرح هي عبارة عن مبلغ من المال يضعه الأقارب والجيران لمجاملة أهل العريس ليلة الفرح، وغالبا ما يقوم بجمع النقطة وذكر اسم صاحبها هو “حلاق القرية” عن طريق وضع طبق كبير وفوقه شال ويقوم بجمع المال من الحاضرين ويقول بصوت عالي “فلان بينقط بالعشرات إن شاء الله عقبال عنده” وكان تتراوح النقطة مابين 5 : 25 قرش.

والهدف الأساسي من النقطة كان لدعم العريس مادياً لتعويضه عن تكلفة تجهيز متطلبات الزواج كنوع من التكافل الاجتماعي.

8- فض غشاء البكارة: بعد انتهاء مراسم الزواج ينصرف الجميع للاستعداد إلى “الدُخلة البلدي” وتبقى مع العروس الخالة أو العمة لتتم عملية فض غشاء البكارة، لأن غالباً تكون العروسة صغيرة السن وتخشى العريس الذي تقابله لأول مرة في غرفة مغلقة، فتحتاج إلى وجود من تطمئن إليه من الأهل إما لمساعدته في حالة وجود نزيف من أثر العلاقة الزوجية أو لفض الغشاء بطريقة تقليدية ، وهي أن تقوم “الداية” بفض غشاء البكارة للعروس بيدها لصغر سن العريس والعروس وعدم خبرتهما، لأنه أحياناً يكون مطاطياً لا تفضه العلاقة الطبيعية ، وقد يعتقد العريس فى عروسه اعتقادات سيئة قد تنهي الحياة بينهما على الفور.

وبعد الفض تأخذ العمة أو الخالة المنديل الذي يحمل دماء البكارة وترقص به أمام أهل العريس في الخارج ابتهاجاً أن بأن العروس بكر وشريفة لم يمسسها أحد غير زوجها، وتطلق الأعيرة النارية وتوزع الحلوى ويخرج العريس ليسلم على اهله ويتقبل تهنئتهم.

أما العروس فكانت في كثير من الأحيان تصاب بالنزيف بسبب صغر سنها أو بسبب خوفها الشديد أثناء فض الغشا، وقد انتشرت هذه العادة في الصعيد نتيجة الأمية وانتشار الجهل والخرافات.

9- الصباحية: في صباح اليوم التالي للعروس يطلق عليه “الصباحية”، يأتي أهل العروسين للزيارة للتهنئة بليلة الدخلة، ويتناول الجميع الكسكسي والفطير الذي يحضره أهل العريس، ويقوم الأهل بوضع النقطة في طبق فول الطبق السوداني الذي يقدمه أهل المنزل، ويقوم أحد الجالسين من أهل العريس بتسجيل قيمة النقطة ومن قدمها.

وتقوم العروس بمد حبل كبير في وسط المنزل وتعلق عليه ملابسها ليراها أهل العريس والضيوف، وذلك كنوع من التفاخر بما أحضرته العروس من ملابس وأجهزة، طوال الأسبوع الأول من العرس يحضر أهل العروس يومياً الطعام للعروسين ويسمونه “العشاء”.

10- السبوع: وهو الأسبوع الأول بعد العرس، يحضر خلاله جميع الأهل ومعهم الذبائح، ويقوم أهل العريس بإعداد طعام كثير للضيوف يستمر تقديمه من الصباح وحتى انصراف الضيوف في المساء، ولا تأتي والدة العروس لابنتها إلا إذا ذهب العريس لها ليصالحها، بأن يقدم لها هدية قد تكون مبلغاً من المال أو ذهب أو ملابس، وهو بذلك يواسيها لحزنها على فراق ابنتها ويدعوها للحضور إلى منزل الزوجية لتطمئن على زواج ابنتها السعيد.

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

ادخل الكود * Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.