االعاصمة الروسية موسكو، لا أحد يعرف سبب تسميتها بالضبط، وإن كان من المرجّح أن تكون قد استمدت اسمها من نهر «موسكفا» حيث تقع على ضفافه، واختير مكانها انطلاقاً من وجهتي النظر العسكرية والتجارية؛ إذ كانت المستوطنة القديمة تقع عند تقاطع طرق مهمة برية ومائية.

أول إشارة تاريخية إلى مدينة موسكو، كانت في عام 1147م، عندما كانت بلدة غامضة في مقاطعة صغيرة، وكان يقطنها عدد ضئيل من السكان، وفي عام  1156م قام الأمير يوري دولجوروكي ببناء حائط خشبي وخندق يحيط بالمدينة، ولم يكن ذلك الحائط ناجحاً بصورة كبيرة، فقد وقع حريق مروع بالمدينة عام 1177م أتى على الأخضر واليابس فيها وقتل معظم سكانها، وفي عام 1238م احتلها المغول، وقاموا بحرقها مرة ثانية، لكن المدينة استعادت عافيتها بعد ذلك، وأصبحت عاصمة للبلاد.

وفي عام 1480م استطاع إيفان الثالث بعد صراع طويل، أن يخلص روسيا من الاحتلال المغولي للبلاد، وأصبحت موسكو عاصمة للإمبراطورية الكبيرة، التي حوت بعد ذلك كافة سكان روسيا وسيبيريا، وأجزاء من أراضٍ أخرى كثيرة.

كما كانت موسكو عاصمة لروسيا عام 1700م، عندما قام بطرس الأكبر ببناء «سانت بطرسبرج» على سواحل البلطيق، وعندما قام نابليون بغزو البلاد عام 1812م قام أهالي موسكو بحرق مدينتهم ورحلوا عنها، ثم غادرتها قوات نابليون بعد ذلك بفترة قليلة، بعد أن هزمهم الجوع وصقيع البلاد، وبعد نجاح الثورة الروسية عام 1918م جعل لينين من موسكو مرة ثانية عاصمة للبلاد، وظلت كذلك حتى وقتنا هذا.

وعندما بدأت الجيوش الألمانية الجرّارة بغزو البلاد عام  1941م في عملية «بارباروسا»، وصلت طلائعه إلى مسافة 40 ميلاً من مركز المدينة، فقام المدافعون الروس بإجبارهم على الخروج في «معركة موسكو»، ثم بعد ذلك حل الشتاء وكان قارصاً للغاية، ونزلت كميات كبيرة من الثلوج، ووصلت درجات الحرارة إلى درجة التجمد بكثير؛ مما أدى إلى إيقاف زحف الجيش الألماني ومنعه من احتلال المدينة، ثم حملت بعد ذلك لقب «المدينة الباسلة» بسبب ما قامت به لصد الغزو الألماني عن البلاد.

وأصبحت موسكو المدينة الثانية في روسيا لمدة تربو على القرنين، ولم تفقد موسكو أهميتها السياسية والثقافية والاقتصادية، واضطلعت المدينة بدور مهم في نضال الشعب الروسي من أجل حريته الوطنية والاجتماعية، واجتاحت النيران موسكو مراراً، ولكنها كانت في كل مرة تنبعث من جديد وتنمو وتزداد جمالاً من قرن إلى قرن.

الكرملين مركز السلطة السياسية الآن وراءه قصة طريفة، يعني في اللغة «القلعة»، وهو فن معماري فريد النمط، يعود تاريخه إلى ما يزيد على 850 عاماً، كانت البداية قلعة خشبية، أقامها الأمير يوري دولجوروكي عام 1147م فوق إحدى التلال السبع المطلة على ضفاف نهر موسكو، وقد حرصت مدن عدة على إقامة مثل هذه القلاع التي راحوا يسمونها بـ«الكرملين»، في الكثير من عواصم الإمارات والمقاطعات، مثلما حدث في نوفغورود وفلاديمير وقازان، قام إيفان الثالث ببناء الكرملين مستعيضاً بالحجارة، بعد أن احترقت جدرانه الخشبية، وشيد بين زواياه 18 برجاً، منها نيكولسكايا وسباسكايا اللذان يعدان المدخل الرئيس الذي يفضي إلى الميدان الأحمر.

«الكرملين» الذي أدرجته «اليونسكو» كإرث ثقافي عالمي يعتبر رمز روسيا وأحد متاحفها التاريخية الثقافية الغنية، يزوره مليونا سائح سنوياً؛ فرائحة التاريخ تعبق كل مكان فيه، هناك المدافع والأجراس القديمة، ومخادع القياصرة، والكنائس والكاتدرائيات القديمة، ويضم أيضاً قاعة الأسلحة التي تحوي أوسمة وشعارات الدولة، وعروش القياصرة، وملابسهم ومجوهراتهم، والأواني الذهبية والفضية، والأسلحة القديمة، وغنائم الحروب.

«ملك المدافع» عيار 890 مللي أشهر كنوز الكرملين، الذي يعتبر أكبر سلاح في العالم، تم تصميم هذا المدفع العملاق في روسيا في القرن الـ18، ويتجاوز وزنه 200 طن، ووزن قذيفته ألف كلجم.

لا يقتصر على مقار السلطة الرسمية، بل يتسع أيضاً للكثير من الكنائس والكاتدرائيات ذات القباب الذهبية المعروفة، ومنها كاتدرائية أوسبينسكي، التي كان يتم فيها تنصيب القياصرة، وكاتدرائية أرخانجلسك التي تضم قبو ورفات عدد من قياصرة روسيا منذ القرن الـ16، إلى جانب كاتدرائية بلاجوفيشينسكي التي كانت أشبه بكنيسة خاصة لعائلة القيصر.

وفي موسكو كاتدرائية سانت باسيل، بقبابها الذهبية الرائعة، وبطريركية موسكو التي تعد مركز الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية في العالم، إضافة إلى المسارح الشهيرة التي تقدم فن الباليه الذي تشتهر به موسكو، ومن أعرقها مسارح البولشوي وكريملينسكي، وكاتدرائية بوكروفسكي فاسيلي بلاجيني، التي أقيمت عام  1561، في ذكرى انتصار إيفان الرهيب على التتار، واستيلائه على قازان.

وتعد الساحة الحمراء في وسط موسكو وضريح لينين من أهم معالم المدينة، وواحدة من المواقع التاريخية الأبرز في العالم، كما تشكل قلب تاريخ موسكو ومركزه، وقد اكتسبت اسمها وشهرتها بعد الثورة البلشفية عام 1917م، لتصبح فيما بعد الموقع الرئيس للعروض العسكرية أيام الشيوعية.

شخصيات تاريخية:

من أبرز وأشهر الشخصيات الروسية، الكاتب لوي تولوستوي مؤلف رواية «الحرب والسلام»، وبوريس باسترناك مؤلف رواية «دكتور زيفاجو»، التي تحولت إلى فيلم، قام ببطولته الفنان المصري عمر الشريف، ومنع الاتحاد السوفيتي «باسترناك» من تسلم جائزة نوبل، والكاتب المسرحي الشهير أنطون تشيكوف، ويوري جاجارين أول رائد فضاء في العالم، وجاري كاسباروف بطل العالم في الشطرنج، والعديد من الشخصيات الروسية التي حققت الكثير من الإنجازات العالمية.

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

ادخل الكود * Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.