شواطئها مقبرة السفن، وأسماكها تلهث لتتنفس!

“أستونيا” أصغر جمهوريات البلطيق الثلاث: “استونيا، لاتفيا، لتوانيا”، وأقربها إلى القطب الشمالي؛ لذلك فإن الثلوج والجليد لا تتوقف عن التساقط في شتائها القاسي، وفى ليلها الطويل جدا الذي يستمر قرابة 4 أشهر متوالية، تكون تنقلات السكان محدودة جدا، وفي إطار الطوارئ فقط، حيث الظلام هو بطل المشهد، والسفر لا يكون إلا على الزلاجاتـ، يستعد السكان لهذا “البيات الشتوي” الطويل بتأمين الحاجيات الضرورية قبل سقوط الجليد، بما فيها علف الحيوانات، ومع أن الطقس يكون في غاية القسوة وكل شيء يتجمد، إلا أن الطبيعة لا تتوقف عن العطاء، فصيادو السمك يستمرون في ممارسة حرفتهم بشكل جزئي، من خلال عمل فتحات في الجليد الذي يغطى الأنهار، وفي النهاية يعودون إلى منازلهم بالسمك الطازج.

 طباع هادئة:

هذه الطبيعة الصعبة تركت بصماتها في طبيعة هذا الشعب، فالفترات الطويلة التي يقضيها الأفراد في بيوتهم بمعزل عن الآخرين خلال الشتاء، أكسبتهم صفات الهدوء والزهد في الكلام، ناهيك عن الثرثرة، وهو شعب لا يعرف أيضا “كرم الضيافة” ـمجبراـ ففي العادة لا يوجه أحدهم الدعوة لغيره خاصة الغرباء؛ لأن بيوتهم ضيقة، وهي ضرورة أملاها البرد القاسي؛ حتى يسهل تدفئتها.

ومن عادات  قاطني أستونيا الغريبة أنهم لا يتصافحون، ولا يتبادلون القبلات عند اللقاء بعد طول غياب، فالتحية عندهم تتم بالإشارة، وعن بعد لكنهم بطبعهم طيبون، ودودون.

تتأثر الثقافة “الأستونية” بشكل كبير بالثقافة الفنلندية خاصة، والإسكندنافية بشكل عام، وتتربع “تالين” العاصمة على الشاطئ الجنوبي لخليج فنلندا، وتشكل مركزاً صناعياً وثقافياً لأستونيا وميناء بحرياً رئيساً، بالإضافة إلى غناها كمدينة تاريخية، خضع سكانها للعديد من الحكام كان آخرهم الروس؛ فقد تعرضت البلاد عبر القرون لسلسلة متتابعة من الغزوات، وكان منجل الفاتحين دائما بيد الألمان والدانماركيين والروس والسويديين، حتى تم إعلان الاستقلال عام 1918.

ثقافة الفايكنج:

كان شعب أستونيا رائدا في الملاحة على غرار شعب الفايكينغ الإسكندينافي، وكثيرا ما كان يقوم بحملات نهب في أراضي البلطيق الأخرى .

البحر في هذه المنطقة مخيف بعض الشيء، والغطس تحت الماء مخيف أكثر، حيث لا وجود للإنسان إطلاقا في هذا العالم المائي ولا سيطرة له فيه، قد يبدو العالم المائي في البلطيق فقيرا وبائسا من الظاهر، لكنه يتمتّع بجمال خاص به، أما المشكلة الأكبر فتعيشها الأسماك التي تلهث؛ لكي تتمكن من التنفس، في هذه المياه التي تفتقر إلى كمية كافية من الأوكسيجين.

وإذا كان الليل الطويل والشتاء القاسي يجمّد المنطقة كلها، ويلقي عليها ظلاله الكئيبة، فإن الربيع يأتي بالجمال والحركة والحياة، خاصة في جزيرة “ساريما” أو –أوسيل- التي برزت في البحر بعد العصر الجليدي منذ أكثر من 10 آلاف سنة، ولذلك تزخر شواطئها بالمتحجرات التي تعد من بين الأقدم في العالم.

الإبحار بالمركب الشراعي إلى “كوريساري” -عاصمة ساريماـ تجربة مثيرة للاهتمام، فهذه المدينة المشهورة بالمنتجعات الصحية شواطئها خطيرة جداً؛ لأن غالبية الصخور مغمورة بالمياه، وبالتالي يمكن أن نفهم لماذا أطلق البحارة على منطقة ساريما الساحلية لقب “مقبرة السفن” .

وساريما ليست في الواقع جزيرة كبيرة واحدة، إنما 500 مجموعة من الجزر الصغيرة تزيد على خمسمائة جزيرة، وتعد بحق حديقة أستونيا، وبسبب غناها الطبيعي أعلنت اليونيسكو الجزيرة كلها محمية طبيعية، كما يقال عنها هناك إنها “قفص أستونيا الكبير”، حيث 90% من طيور البلاد تعيش على هذه الجزيرة، فشواطئها المنخفضة والخصبة بمثابة ولائم سخية، ونقطة استراحة للطيور المهاجرة، في منتصف رحلتها إلى المناطق الشمالية التي تعشش فيها، أما شواطئها الشمالية فوعرة وشديدة الانحدار، في هذه المواطن غير المألوفة ينمو العديد من الأزهار الجميلة والنادرة .

الأسطورة:

وإذا كان لكل جزيرة -بشكل عام- ماضيها الأسطوري، فجزيرة ساريما ليست استثناء، يعود ماضيها الأسطوري إلى فوهة في بحيرة “كالي”، تقول الأسطورة إنه منذ آلاف السنين ضرب نيزك يبلغ وزنه 500 كلغ من الحديد هذه البقعة، مسببا دمارا شاملا، ووفقا للعلماء كان تأثير النيزك شبيها بقوة القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما، ووصل هذا التأثير على 700 كلم من ساريما وصولاً إلى السويد وفنلندا وألمانيا والدانمارك، فلا عجب إذن أن يكون هذا الحدث لا يزال حيا في العديد من العادات والتقاليد الوطنية .

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني