منذ أن أصبح التلفزيون جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، تنافست المحطات التلفزيونية على الخروج ببرامج البحث عن المواهب بأنواعها  وطرق للتواصل المباشر مع الجماهير مثل برامج المواهب والمهارات ، وقد أدت تلك البرامج دورا كبيرا  في جذب شريحة كبيرة من الجمهور من خلال قنوات البث المباشر وقنوات التصويت وحلقات اليوميات وبرامج الواقع التي تلبي مجموعة متنوعة من احتياجات المشاهد وكذلك الحفاظ على مساهمتهم.

عروض المواهب وتلفزيون الواقع هي واحدة من أكثر التوجهات العصرية في الوسط الترفيهي وهذه البرامج يتسابق اليها الناس من مختلف الخلفيات وهي الأهم لدى المعدين من حيث اختيار مشتركين من جميع الشرائح الإجتماعية للحفاظ على ابقاء الجماهير مقيده بالبرنامج ، وذلك لشعورهم بأن العروض هي أقرب إلى الواقع وفرصة لتحقيق حلم قد يقترب من احلام الملايين من المشاهدين مع فرصة إيجاد مهن مربحة وجذب المعجبين والمعلنين من جميع أنحاء العالم.

وكالعادة دائماً تنتقل كل موضة او صرعة الى عالمنا العربي بمميزاتها وسلبياتها ولكن في واحدة من الاتجاهات المثيرة للجدل توجه برامج المواهب لإكتشاف مواهب بين الأطفال،  ولكن هل جميع الأطفال مُطّلعين على حقيقة انهم سيقفون على مسرح ضخم ويواجهون جمهور اضخم؟ وهل هم مهيؤون لمواجهة الرفض والإنتقاد؟ وهل تم إطلاعهم على احتمال دخولهم مجال صناعة الترفيه التي ستكون جزءاً كبيراً من حياتهم مستقبلاً؟، علامات استفهام خطيرة تقف امام صحتهم النفسية، الجسدية وكذلك التعليم.

الطفولة هي مرحلة البراءة ولابد أن تركز على التأسيس واكتساب تعليم جيد وكذلك التغذية الصحية وأخذ قسط كافي من النوم والراحة واللعب والحرص على سلامتهم النفسية ليكونوا على استعداد لمواجهة العالم مستقبلاً.

ولكن في الفترة الأخيرة حملت رياح التغيير اتجاهات مرعبة للعديد من الأطفال وكأنهم تجاوزوا مرحلة عمرية كاملة وأصبحوا يتنافسون على أرض الواقع ليس فقط لعرض المواهب ولكن أيضاً لكسب المال والشهرة، بطرق مرهقة ومعالم طفولة مدفونة تحت اكوام من مساحيق التجميل ومنتجات تجميل الشعر وأزياء قد لاتليق بأعمارهم، يواجهون ضغط الأداء مع ساعات طويلة ومرهقة تمتص الحياة منهم في وقت مبكر جداً.
في الواقع، شهدت بعض العروض أطفالا لاتتجاوز أعمارهم خمسة أو ستة سنوات قدموا عروضا يمكن أن تضر نموهم العقلي والنفسي، والأهم تعرضهم للانتقادات من لجنة التحكيم او الجمهور والتي قد تؤثر عليهم لأن عقول الأطفال قد لا تكون ناضجة للتعامل مع الرفض، والمحزن ان الآباء لهم دور حيوي وفعال في كل تلك الظروف وقد يرى كثير من الآباء أنفسهم من خلال أطفالهم لتحقيق احلامهم بالشهرة او لتحسين الوضع المعيشي والمادي للأسرة من خلال العروض والإعلانات ليتحول الطفل إلى مجرد سلعة في يدي عائلته.

هنا نتساءل هل من الأجدى المطالبة بتوقف البرامج المختلفة لاستغلال الأطفال والتي تقترب من كونها شكل من أشكال  الإتجار بالبشر وعمالة الأطفال، ومنع الأطفال من المشاركة فيها لما تحمله من آثار سلبية على طفولتهم التي تعتبر المرحلة العمرية المقدسة في حياة الانسان.

أظهرت نتائج دراسة قامت بها جامعة نورث كارولاينا الأمريكية، أنه عندما يتم وضع الكثير من التركيز والضغط على الطفل لكي يكون الأفضل- في حين يكون الطفل لايملك قدرات تؤهله للجدارة أو التحدي  والمنافسة – فإن الطفل يتعرض لأضرار بالغة منها:

– الضرر البدني أو العاطفي، او كلاهما.
– الشعور بالتحطيم الذي يخلف الخسارة.
– الإرهاق والضغط للتفكير بالفوز بأي ثمن.
– تحطم الثقة بالنفس.
– الذل والخزي.
– تطور الأنانية والغرور مما يقلل من الحاجة إلى رعاية الآخرين.
– الشعور بإهانة الذات.
– يتدهور في جودة الأداء.
–  العداوة والعدوانية، أو فقد الطفل لشعبية بين أقرانه .
– الأداء فقط لإرضاء الوالدين.

ويكمن الخطر الأكبر في مسابقات الجمال بين الأطفال والتي تجرد الطفلة من طفولتها بقسوة لتتحول الى كائن مسخ ذو شعر صناعي ضخم وأسنان وأظافر مستعارة والكثير من طبقات مساحيق التجميل ورذاذ التسمير.  ومن المفزع أن بعضهن يتعرضن لحروق بسبب ادوات التجميل اثناء مراحل الإستعداد، ولكن الأسوأ هو ان يشدد الأهل على أداء صغيراتهن ادوار لاتناسب اعمارهن مثل راقصات تعري وبائعات هوى وعندها تنموا الطفلة وداخلها صورة ذهنية حول الإغراء والجنس.

في فبراير 2007 أصدرت الجمعية الأمريكية لعلم النفس تقريراً عن الجنس في حياة الفتيات حيث وجدت أن تعرض الفتيات إلى محتوى يضم أي نوع من الإغراء والجنس يمكن أن يؤثر سلباً على تنميتها المعرفية والعاطفية ويرتبط بقوة مع اضطرابات الأكل بنوعيه، وانخفاض تقدير الذات والاكتئاب، كما يؤثر على مستقبلها ويؤدي بها للحصول على وظائف بعيده كلياً عن مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، كما تتأثر حياتهن لأسباب تتعلق بالصحة الجنسية.

وتبين الدراسة أن هذه الأضرار لاتشمل الفتيات فقط ! بل الفتيان والرجال الكبار والذين يكونون فكرة مسبقة عن دور المرأة والتي تكمن فقط داخل إطار الجنس، مما يؤدي  إلى زيادة حوادث التحرش والعنف الجنسي، وزيادة الطلب على الصور والأفلام الإباحية للأطفال.

اختلاف نظرة الفئات العمريةحول المنافسة في تلك المجالات 
يتنافس الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6- 8 سنوات من أجل المرح والفوز فقط، ولايشكل الفوز والخسارة أو التنافس ضد الآخرين لديهم اي معنى وهم يهتمون بقوانين اللعبة وكيف يتم لعب اللعبة أكثر من الإهتمام بالفوز ويكسرون القوانين عندما لا يمكنهم تذكرها. ولكن وفي نفس الوقت يسعون للحصول على الموافقة الاجتماعية ودائماً يريدون أن يكونوا داخل مجموعة أطفال. كما يعاني الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6- 8 سنوات من انخفاض الثقة بالنفس عندما يخسرون خصوصاً إذا كان الوالدان يمارسون ضغوطا عليهم للفوز. في المقابل تبيّن الدراسة أن الأطفال في هذا المرحلة في الغالب يعانون من قصر الإنتباه مما يمنعهم من فهم القوانين المعقدة ويفتقرون إلى مهارة التنافس اللازمة للفوز في المسابقات كما أنهم لا يستطيعون وضع استراتيجيات لهزيمة خصمهم وهم غير مستعدين للمنافسة الجسدية ويواجهون صعوبات في عملها داخل فريق.
أما الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 9- 12 سنة فرغم أنهم أقدر بقليل على  فهم معنى المنافسة عن الفئة الأصغر، ولديهم فهم أفضل لقدراتهم الشخصية ويستمتعون في الألعاب التنافسية والأنشطة التي يربحها شخص واحد ويُهزم الآخر، إلا أن الدراسة تركز على أن أنشطة الأطفال الصغار يجب أن تكون غير تنافسية ولكن ينبغي أن تشجع ممارسة مجموعة محدودة من المهارات، وتوضح أن الأطفال في هذه الفئة العمرية بحاجة إلى الفوز في كثير من الأحيان لتعزيز ثقتهم بأنفسهم وهذا مما قد لايتحقق في مسابقات من هذا النوع ذات متطلبات عالية.
والأطفال في سن الثالثة عشرة واكثر قادرين على المنافسة أكثر ولكن، تبقى الآثار السلبية المترتبة على الصحة النفسية والجسدية والتي تشمل جميع الفئات مُهدِدة وأكبر مثال على ذلك التخبط الفظيع الذي نشهده في حياة الفنانات اللواتي دخلن  مجال الفن منذ الصغر- على سبيل المثال لا الحصر – المغنية الأمريكية بريتني سبيرز والممثلة ليندزي لوهان اللاتي تصدرن الأخبار لفترة طويلة، بسبب معاناتهن من مشاكل ادمان المخدرات والكحول والخلافات العائلية حول الأمور المالية والتصرفات الغير مرغوب بها تجاه انفسهن والمجتمع والمعجبين، وتأتي على رأس القائمة مايلي سايرس التي لازالت تثير الجدل بظهورها على المسارح والسجاد الأحمر بأزياء غير مناسبة وحركات غير لائقة لتجر خلفها العديد من تقليد المراهقات.

آثار مسابقات الجمال على الأطفال

 

 

 

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني