أصبحت الدروس الخصوصية من الظواهر الاجتماعية المتفشية، التي تواجه العملية التعليمية، حيث اختلفت الآراء في تقييم هذه الظاهرة، فالبعض قد يعتبرها ظاهرة سلبية لا تعبر إلا عن جشع وطمع المدرسين وسعيهم لطرق الكسب غير المشروعة، في حين يعتبرها البعض مصدراً للتفاخر والتقليد ورفاهية وليست ضرورة، و منهم من يكون مضطراً للجوء إلى المدرس الخصوصي بحجة انشغال الآباء والأمهات في وظائفهم اليومية سواءً في البيت أو العمل.

ظاهرة تعليمية ضرورية

يقول الطالب سلطان محمد في المرحلة المتوسطة : “إن السبب الرئيسي الذي يجعلني ألجأ إلى المدرس الخصوصي ضعف مستوى المُدرس الذي يقوم بتدريسنا في المدرسة”، متابعاً : “مثلاً مدرس اللغة الإنجليزية حديث في مهنة التدريس وليست لديه معلومات كافية تمكننا من النجاح في إمتحان هذه المادة، ولهذا السبب لجأت والعديد من زملائي إلى المدرس الخصوصي أو للالتحاق بأحد المراكز التعليمية”.

وأكد والد الطالب فهد ناجي: “أن مستوى ابني الدراسي تحسن بعد تلقيه الدروس الخصوصية، خاصةً أنه مجد ومثابر ويسعى لتحصيل معدل جيد في الثانوية العامة”، مشيراً إلى أنه “يستوعب المواد من الأستاذ الخصوصي أكثر من المدرسة”.

أما والدة الطالبة هناء تقول: “إن للدروس الخصوصية دور جيد من حيث أنها تخفف العبء عن الأهل في متابعة أولادهم في دروسهم” ؛  مشيرة إلى أن ابنتها طالبة مجدة وقد استفادت من تجربة الدروس الخصوصية واكتسبت مهارات ومعلومات استطاعت فهمها واستيعابها ” مع التزامها أيضاً بمواعيد المدرسة والمذاكرات التي لا غنى عنها”.

مشكلة وقت‏‏

و تقول الطالبة وجدان علي: “الدروس الخصوصية جيدة وذلك لأن المدة التي نجلس فيها للاستماع للدرس أطول من مدة الحصة اليومية في المدرسة، فوقت المدرس الخصوصي ليس مضبوطاً من قبل أحد وبذلك يقدم معلومات بشكل موسع وبتأني لتصل إلى ذهن الطالب بطريقة مفهومة”.

و يشير الطالب تركي ناصر إلى أن :” مزايا الدروس الخصوصية تختلف عن مزايا المدرسة، أحيانا قد يخطئ مدرس الصف نتيجة السرعة لقصر الوقت في تقديم المعلومة ولكن بما أننا أخذنا دروساً خصوصية فتكون لنا مرجعاً لاشك بمعلوماتها ، فضلاً عن كثرة أعداد الطلاب المتزايدة في صفوف المدارس لا تسمح بأ، يستفسر كل طالب عما خفي  عليه”.

قسوة المدرسي تدفع للدروس الخصوصية 

توضح والدة الطالبة فاتن: “أن الدروس الخصوصية هي حاجة ماسة عندما يكون مستوى الاستيعاب لدى الطالب بطيئاً ومهمة عندما يكون دور مدرس المادة ضعيفاً في المدرسة ولا يملك أسلوباً يجذب الطالب للانتباه أو نتيجة التعامل اللفظي القاسي مع الطلاب والذي يجعلهم في حالة من عدم التركيز أو رفض للمادة – في بعض الأحيان وهذا أمر واقعي”.

تقول مريم أحمد والدة الطالبة نوف عبد الله: “أنا أؤمن  لابنتي أساتذة لكل المواد لأنني أريد أن اضمن مستقبلها في الجامعة بعلامات عالية عوضاً من أن تدخل جامعات خاصة أو في التعليم الموازي أو المفتوح لأربع سنوات التي ستكلفني أكثر من الدروس الخصوصية بكثير”.

تكاليف باهظة

أما أبو عبد الرحمن وخالد يقول: “أصبحت أنشغل مع بدء العام الدراسي بالتفكير في كيفية توفير تكاليف الدروس الخصوصية التي لا بد أن يحصل عليها أبنائي في ظل التردي الواضح في العملية التعليمية داخل المدارس؛ وإن لم أفعل ذلك فكيف ينجح أولادي؟ وهو ما يجعلني متوتراً طوال الوقت، فضلاً عن سوء العلاقة بيني وبين أولادي الذين أطالبهم دائما بعدم تضييع الوقت بعيداً عن المذاكرة؛ لأنني أتعب كثيراً لتوفير المال اللازم لدروسهم خشية الرسوب أو النجاح بمجموع قليل”.

وتوافقهم الرأي والدة الطالبة ابتهال علي فتقول: “أن الدروس الخصوصية تكلف الأسرة فوق طاقتها ومقدورها وبخاصة الأسر قليلة و متوسطة الدخل وأيضاً الإنفاق على الملخصات والمذكرات التي يشتريها الطلاب ويتلافون وجود كتاب مدرسي وحل الأسئلة المتواجدة في نهاية الكتاب”.

موضة العصر

وبكل ثقة أكدت الطالبة البندري فهد: “بأن الدروس الخصوصية أصبحت موضة يتبعها اغلب الطلاب والطالبات نتيجة الغيرة من الأصدقاء أو عدم فهمهم لدروس المدرسة ولكن لاحظت أن بعض الطلاب لم تكن نيتهم الدرس الخصوصي وإنما خروجهم من البيت وتضييع الوقت على الطريق على أساس أنهم في طريقهم لنيل المعرفة والعلم وهذه الظاهرة تولد عند الأهل فقدان الثقة بأولادهم والمدرسين”.‏‏

وذكر سعد الفارس موظف وأب لطالبة في الثانوية العامة أنه : “في الماضي كان الطالب يستحي إن يعرف أقرانه أو أصدقائه بأنه يتلقى دروساً خصوصية أو يزوره أحد المدرسين في بيته ويعاب على هذا الأمر، أما الآن فالعكس تماماً، حيث أصبحت الدروس الخصوصية مصدر فخر ومباهاة، ونجد العائلات تتحدث “بالفم الملآن” دون حرج أو حياء، لأنها أصبحت واقعاً مفروضاً وموضة العصر يتشارك كثير من الأهالي فيها”.

ما هو الراي المهني ؟

تقول المدرسة الخصوصية أمنه البكر: “أن الدروس الخصوصية حلت مشكلة ضعف الكثير من التلاميذ في مستواهم الدراسي في بعض المواد، الناتجة عن عدم حصولهم على الوقت الكافي لتزويدهم بما يحتاجونه من معلومات، أيضاً بسبب انشغال الآباء و الأمهات عن متابعة أبنائهم و مراقبة مستوياتهم بشكل مستمر، أو عدم إتقانهم فنون التدريس مما يضطرهم إلى اللجوء لمعلم متخصص يهتم بأبنائهم دراسياً”.

مشيرة إلى أن ما دفعها إلى إعطاء الدروس الخصوصية هو المادة التي تساعدها في مواجهة متطلبات المعيشة، فراتبها لا يكفي لتوفير جميع المتطلبات الأسرية.

من جهته يوضح أخصائي الإرشاد الطلابي الأستاذ نايف الجابر: “أن الدروس الخصوصية ضرورة بالنسبة للطالب الضعيف الذي يحتاج إلى تقوية بعض المهارات لدية، في حال إذا كانت لا تتوفر تلك التقوية في المدرسة أو المؤسسة التعليمية الملتحق بها”.

و من الخطء أن نجعل الدروس الخصوصية عادة أو مصدر للتفاخر بين الأسر وذلك تفادياً لما قد تسببه من المشاكل و الآثار النفسية و الاجتماعية للتلميذ والتي منها  :

  • عدم الاهتمام أو الانتباه في الحصة الدراسية،
  • التشويش على الطلاب الآخرين بحكم أن لديه مدرس يشرح له الدرس في وقت لاحق، مما يؤدي إلى ضعف علاقة الطالب بالمعلم والمدرسة،

مؤكداُ أن الدروس الخصوصية تساهم في تعويد التلميذ على الاتكالية  و الاعتماد على غيره في حل بعض الأمور التي تواجهه في حياته، وتسبب أيضا الخمول العقلي و الذهني و التكاسل عن البحث الجيد للحصول على المعلومة التي يحتاجها.

ويضيف الجابر  :” يجب على المدرسة التعرف على الطلاب الذين يعانون من ضعف في احد المواد وتقصي أسباب هذا الضعف والإسهام في حلها من خلال تخصيص المعلم وقتاً إضافياً لمساعدة هؤلاء الطلاب، و إعداد دورات تدريبية مستمرة للمدرسين العاملين في المدرسة لتزويدهم  باستمرار بالمهارات والخبرات والمعارف الجديدة والتحسين في طرق تدريسهم للمواد و أغناء هذه الطرق بالوسائل التعليمية المناسبة التي تجعل الدرس ممتعاً ومشوقاً بالنسبة للتلاميذ، كما يجب على المعلمين بذل أقصى جهودهم لتوصيل المعلومة للطلاب بطرق متنوعة، و الإجابة على جميع أسئلة الطلاب وتزويدهم بالمعلومات الخارجية.”.

و تؤكد أخصائية الإرشاد التربوي مريم الحسن  أن :  ” ظاهرة الدروس الخصوصية أصبحت تشكل خطورة كبيرة على التلميذ و الأسرة و المجتمع، حيث أنها لا تتيح للطلبة الفرص المتكافئة من الناحية التحصيلية وتؤثر على سلوكهم إذ تبعدهم عن الجو الصفي والمشاركة الجماعية في دروس المدرسة وبالتالي تؤثر على قدرتهم على التكيف الاجتماعي والتفاعل مع المعلم أثناء التدريس، و فقدان ثقتهم في المدرسة كمؤسسة لها أهداف تربوية واجتماعية، كما ينجم عنها ضياع في مدخلات التعليم و الجهود البشرية واختلال في التوازن النفسي و العقلي و الاجتماعي.

الدروس الخصوصية تسيء للمدرس وترهق الأُسر 

وبينت الحسن أن الدروس الخصوصية تسيء إلى المعلم وتفقده هيبته على اعتباره المصدر الوحيد للمعلومات التي يحصل عليها الطالب، و ترهق الأسرة بأعباء ومصاريف إضافية حتى أصبحت أجور الدروس الخصوصية هاجس لبعض الأسر مع بدء العام الدراسي؛ مشيرة إلى أهمية التوعية المستمرة للطلاب ولأولياء أمورهم وتعريفهم بالبدائل المتاحة للدروس الخصوصية مثل: الوسائل المساعدة المختلفة والمتوفرة في المكتبات من كتب شرح مبسطة وأفلام مرئية ومسموعة، وبرامج كمبيوتر، للمساهمة في جعل الطالب يعتمد على نفسه في عملية مراجعة ما تم تدريسه له، و المساعدة في تبسيط وتحليل ما يصعب على الطالب فهمه،و تعويده على الطرق والأساليب التعليمية التي تعتمد أساساً على التفكير والتحليل والاستنتاج والفهم وإبداء الرأي والمشاركة قدر الإمكان والبعد كل البعد عن الطرق التقليدية التي تعتمد على الحفظ والسرد والتلقين، وهذه في متناول الجميع بتكاليف أقل من الدروس الخصوصية” .

كما توضح الحسن أنه  للحد من هذه الظاهرة :” لا بد من رفع المستوى المادي للمعلم، و تكثيف الرقابة على العملية التعليمية و إيجاد القوانين الصارمة لمن يزاولها من المعلمين الرسمين، و توعية أولياء الأمور بخطورة الدرس الخصوصي على الطالب”.

 

تحقيق: 

زهوه الجويسر – صالحة المجرشي

 

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

ادخل الكود * Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.