موانئ و مساكن و خطوط مياه، شيدت الكثير من أبنية المملكة الرومانية مثل قبة البانتيون ومدرج كولوسيوم في روما من الخرسانة.بينما تتهالك الخرسانة الحديثة كثيرا في غضون عقود قليلة في مياه  البحر فإن بعض حواجز الأمواج والجسور الرومانية لا تزال صامدة منذ نحو ألفي سنة أمام الأمواج.رجح الباحثون تحت إشراف ماري جاكسون من جامعة أوتا في سالت  ليك سيتي في دراستهم التي نشرت نتائجهااليوم  الاثنين في مجلة “أمريكان مينيرالوجيست” المتخصصة أن أحد الأملاح التي تتكون تدريجيا في هذه الخرسانة هي التي تجعلها أكثر صلابة.كتب الكاتب الروماني بلينيوس الأكبر الذي  ولد عام 24 و توفي عام 79 ميلادية عن “الخرسانة الرومانية”  يقول: “بمجرد احتكاكها بأمواج البحر وتواجدها تحت المياه تصبح هذه الخرسانة كتلة حديدية واحدة غير حساسة ضد الأمواج وتزداد قوة كل يوم”. والآن يعتقد جاكسون وزملاؤه أن بلينيوس لم يكن يبالغ في شأن هذه الخرسانة.قام الباحثون على مدى سنوات بدراسة عينات من الخرسانة الرومانية التي أخذت من بقايا أربع مواني قديمة مختلفة توجد على الساحل الجنوبي الغربي وعثروا خلال ذلك على أحد الأملاح المعدنية النادرة الذي يسمى ألومنيوم توبرموريت والذي درس الباحثون نشأته على وجه الدقة خلال هذه الدراسة. قال الباحثون إن وجود هذا الملح المعدني في الخرسانة الرومانية فاجأهم حيث إن صناعة ملح ألومنيوم توبرموريت في المختبر تحتاج إلى درجات حرارة عالية، وحتى وإن توفرت هذه الدرجة العالية فلن تنتج سوى كمية ضئيلة من هذا الملح “حيث لم يصنع أحد ملح توبرموريت في درجة حرارة 20 درجة مئوية” حسبما أوضح جاكسون مستدركا: “باستثناء الرومان!”.درس فريق الباحثين عينات  خرسانة رومانية باستخدام أشعة x وغيرها من طرق الأشعة ذات درجة النقاء العالية واكتشفوا خلال ذلك أن ملح ألومنيوم توبرموريت المعدني و ملحا آخر مشابها يسمى فيلبسيت يتكونان في العديد من التجمعات الحصوية للخرسانة سواء على التجمعات الجيرية أو مجموعة أملاح الفلسبار المعدنية أو حجر الخفاف.وتلعب المسام الدقيقة دورا هاما في تكون التفاعلات الكيماوية، تلك المسام التي تمتلئ بسائل قاعدي قوي والتي تسمح بتبادل الأيونات وتشكيل الأملاح المعدنية النادرة التي تربط المادة الملاطية والمواد المتراكمة من الحصوات ببعضهما البعض بشكل صخري.قال الباحثون إن هذا هو ما يميز الخرسانة  الرومانية عن الخرسانة الحديثة وإن أهم ما يحرص عليه الإنسان الآن عند صناعة الخرسانة الحديثة هو ألا تتفاعل المادة الملاطية “الأسمنت” والمواد الإضافية “الرمل والحصا”. ورغم أن  هناك بعد فصل الأسمنت المزيد من التفاعلات الكيميائية التي تتسبب على المدى البعيد في زيادة صلابة الخرسانة إلا أنه غالبا لا تنشأ أي مركبات من الأسمنت والحصى وهو ما يساعد على انتشار الشقوق بامتداد المساحات الملاصقة للمادة الملاطية والمواد الإضافية.ومن الممكن أن تنشأ مواد  هلامية مثل هلام السيليكا القاعدي في حالة حدوث تفاعلات كيميائية غير مرغوب بها بين أجزاء الخرسانة، وتمتص هذه المواد الهلامية الماء وبذلك ربما أدت لانهيار الخرسانة الحديثة من الداخل. وفقا  للمعلومات الجديدة التي توصل إليها جاكسون وزملاؤه فإن صناع الخرسانة الرومانية استفادوا من الصخور البركانية المسامية الموجودة في الحقول الفليجرية لجبل فيزوف البركاني شرق مدينة نابولي الإيطالية وهي منطقة ذات نشاط بركاني عالي.كما استفاد صناع هذه الخرسانة من استخدام مياه  البحر إلى جانب الرماد البركاني والجير في مزج الخرسانة.ويعتزم جاكسون وزملاؤه تطوير وصفة لعمل  الخرسانة الرومانية اعتمادا على المعلومات التي توصلوا إليها من خلال الدراسة. ورغم تأكيد الباحثين على أن هذه الخرسانة ليست بديلا عن الخرسانة الفولاذية الحديثة إلا أنهم أوضحوا إمكانية استغلالها في الأبنية التي تحتك بمياه البحر.

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني