كانت الجزيرة العربية مزار لمستشرقين في فترات مختلفة من القرون أو العقود الماضية، في مهمات بحث ودراسة، حيث رصدت بعض هذه الرحلات أو الزيارات جوانب مختلفة من تاريخ المنطقة وصورت واقع الحياة السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية فيها، وأضحت كتاباتهم وانطباعاتهم هدفا للباحثين والدارسين لأحوال الجزيرة العربية في جوانبها المختلفة، كما سبرت أغوار جوانب مهمة ساهمت في توثيق تاريخ الجزيرة العربية بشكل عام والسعودية بشكل خاص.

وجاءت في زيارة هي الأولى من نوعها الأميرة آليس كونتس أثلون، حفيدة الملكة فيكتوريا، وزوجها ايرل أثلون، في رحلتها الاستكشافية إلى السعودية عام 1938، لتضيف أبعادا أخرى لهدف الرحلات الاستكشافية ونتائجها، حيث نجحت هذه الزيارة التي تتسم بالطابع التشريفي ـ الودي في إبراز التقدم الحضاري الذي شهدته السعودية في فترة وجيزة من الزمن مقارنة بحضارات الدول الأخرى، كما نجحت الزيارة في ترسيخ أجواء الود والتعارف بين العائلة المالكة البريطانية والعائلة المالكة السعودية، وما لذلك من انعكاسات ايجابية على مسار وتطور العلاقات السعودية البريطانية، حيث حرص الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، على تدعيم الوصل الاستراتيجي مع بريطانيا أثناء المراحل الأولى من مراحل التأسيس، كما أن زيارة الأميرة البريطانية إلى السعودية مع زوجها، أخذت صفة متميزة تختلف شكلا ومضمونا وأهدافا عن الرحلات الأخرى، لأسباب تتعلق بأن الزيارة هي الأولى لفرد من الأسرة المالكة البريطانية، وحتى الأسر المالكة الأوروبية، يزور السعودية في ذلك الحين، وفي فترة ذات شأن من تاريخ المنطقة والعالم، كما أن الأميرة آليس قد قامت بتوثيق رحلتها هذه وصورت عددا من أحداثها بشكل نادر وغير مسبوق، إضافة إلى تسجيل الأميرة البريطانية مذكراتها حول الرحلة وإنجازها لفيلم سينمائي عنها، وهو ما دفع الوزير البريطاني المفوض في جدة تلك الفترة إلى وصف الرحلة بأنها لاقت نجاحا هائلا على الصعيدين الاجتماعي والدبلوماسي.
ونجحت مكتبة الملك عبد العزيز العامة في توثيق هذه الرحلة بصورها وفيلمها السينمائي وحفظها في المكتبة.
وقدمت المكتبة إصداراً خاصاً يتضمن نخبة مما يتوفر لديها من مجموعة ثرية من الصور التاريخية النادرة التي التقطتها الأميرة أليس، وشمل الإصدار دراسة اضافية قدمها الباحث الدكتور شافي بن عبد الرحمن الدامر، رئيس قسم الدراسات العامة وأستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن عن أجواء الزيارة في ظل العلاقات بين البلدين وترسيخ أجواء الود والتعارف بين العائلة المالكة في كل من البلدين.

وجاءت تفاصيل الرحلة كما يلي:
ما ان رست السفينة انتربرايس H.M.S Enterprise في ميناء جدة في يوم الجمعة 25 ذو الحجة 1365هـ الموافق 25 فبراير 1938، حتى صعد على ظهرها لتقديم التحية المبدئية للوفد الملكي كل من قائم مقام جدة الشيخ إبراهيم بن معمر، والوزير السعودي في لندن السيد حافظ وهبة، والوزير البريطاني في جدة السير ريدر بولارد، في نفس اللحظة كان الأمير فيصل بن عبد العزيز على رأس عدد من الأمراء والرسميين الموجودين في المكان المعد للاستقبال على أرض الميناء، ومع انقضاء مراسم الاستقبال الرسمي شرع الوفد الزائر في برنامج حافل بالنشاطات التي استمرت إلى أن غادر الوفد جدة في اتجاه الرياض في 1 مارس.
كان من ضمن فقرات ذلك البرنامج، حفل العشاء الذي أقامه الأمير فيصل على شرف الضيوف مساء ذلك اليوم، لقد تخلل الحفل كما يروي الوزير البريطاني الكثير من النقاشات الودية التي تجلت من خلال بعضها مدى اهتمام ومدى معرفة الأميرة آليس بالأحوال المعاصرة يومئذ للمملكة العربية السعودية حيث تحدثت الأميرة مطولا عن أحوال أراضي المملكة الصحراوية وعن درجات تأثرها بأحوال الطقس وعن الأعشاب الصحراوية والحالات المصاحبة لربيع تلك الأراضي بشكل عام. كذلك تحدثت وربما لدهشة مضيفها والحضور عن حالات تنقل القبائل وعن القبائل والأقاليم المتميزة برعاة الأغنام كذلك تلك المتميزة برعاة الإبل، ربما تكون تلك المعرفة وذلك الاهتمام من قِبل الأميرة بشؤون وأحوال مناطق المملكة الصحراوية، قد بلورت بعض أهم الدوافع التي جعلتها ترغب في القيام برحلة عبر الأراضي السعودية وهي تلك الرغبة التي تحققت بالفعل أثناء هذه الزيارة.
في اليوم التالي أقام العاهل السعودي حفل شاي لضيوفه، وهو ذلك الحفل الذي دار فيه الكثير من الأحاديث الودية، يقول ردير بولارد: “لقد بدا الملك مسرورا خلال هذه المناسبة، لا سيما أنها شكلت المناسبة الأولى على الإطلاق التي يدعو فيها من ضمن ضيوف سيدة أوروبية بهذا الشكل، وأنها تشكل كذلك المناسبة الأولى التي يقابل فيها امرأة أجنبية على هذا المستوى من القدر والأهمية”.  لقد شرح بولارد كذلك أن أريحية تلك المقابلة جعلت الملك يداعب ضيوفه من فترة إلى أخرى أثناء اللقاء، فعلى سبيل المثال علق الملك ـ مداعبا ـ على بدانة فؤاد حمزة ويوسف ياسين (وهما من كبار موظفيه، اللذين كانا حاضرين المقابلة، واللذين أوردا تعليقاتهما على تلك المداعبة)، وكيف أنها جعلتهما يصابان بدوار البحر عند مرافقتهما له في رحلة بحرية في مياه الخليج، لقد دونت الأميرة آليس انطباعها عن الملك عبد العزيز في هذا اللقاء في مذكراتها عن الزيارة، حيث وصفته في تلك المذكرات التي أتت في صيغة رسائل موجهة لابنتها الليدي مي أبل سمث، بقولها: “لقد كان رجلا عظيما ذا أسلوب وخلق يشدك بجاذبيته، لقد كان بالفعل رجلا شهما نبيلا، ومتحدثا لبقا ومرحا”.
وفي يوم 27 فبراير (شباط)، أقام الأمير فيصل للضيوف وجبة غداء في نزهة برية في وادي فاطمة، وهي تلك النزهة التي دعي إليها العديد من الرسميين السعوديين وأعضاء السلك الدبلوماسي في جدة. وفي مساء اليوم نفسه أقام الملك مأدبة العشاء الكبرى لضيوفه وهي التي دار فيها الكثير من الحديث الايجابي، الذي كان قمة التشويق فيها هو: طلب الضيوف من الملك برواية قصة دخوله الشهيرة للرياض، لقد لاحظ بولارد سرور الملك وحماسه بإثارة ذلك السؤال، حيث ما لبث أن شرع في الحديث عن تفاصيل تلك المعركة الشهيرة.
وفي صباح اليوم التالي ـ وذلك أثناء قيام الأميرة آليس باستقبال النساء المسلمات في الجالية البريطانية في جدة، قام ايرل اثلون وبموافقة بولارد بزيارة الملك، حيث سلم اللورد للملك عبد العزيز رسالة شخصية من الملك جورج، التي أضفت بدورها المزيد من أجواء السعادة، كما لاحظ بولارد. وفي المقابلة نفسها قام الملك بتقديم الهدايا التي درج البروتوكول السعودي على تقديمها لضيوف المملكة البارزين والتي كان من ضمنها سيف الشرف، الذي قدم إلى اللورد وقبل انتهاء هذه المقابلة، قام حافظ وهبة بالتقاط عدد من الصور الفوتوغرافية للملك عبد العزيز وايرل اثلون، ولقد اتضح من تقرير بولارد: بأن هذه كانت بمثابة المناسبة الوحيدة التي تسنى لحافظ وهبة القيام بالتقاط عدد من الصور مع الملك عبد العزيز ولعل هذا ما يفسر ظهور اللورد وحيدا في الصور التي التقطت مع الملك، وغياب الأميرة عن الظهور في هذه الصور بسبب انشغالها بمناسبة أخرى في الوقت نفسه، وهذا ربما أدى إلى غياب فرصة تصوير الأميرة مع الملك فوتوغرافيا.
لقد استغل الضيوف بعض الوقت الذي أتيح في ذلك اليوم وقاموا بالتجول في شوارع مدينة جدة وتسنى لهم فيها التقاط بعض الصور، لكن كما ذكرت الأميرة في وقت لاحق فإن النتائج الأخيرة للأحوال الجوية لم تساعد كثيرا في تلك الجولة حيث تسبب هطول الأمطار الغزيرة إلى تحويل الشوارع إلى بحيرة من الطين، في صباح يوم الثلاثاء 1 مارس، قضت الأميرة آليس بعض الوقت مع عائلة الملك عبد العزيز حيث تسنى لها مقابلة زوجة الملك وبعض أفراد الأسرة الآخرين، واستمتعت الأميرة بتلك المقابلة وبالحديث الذي دار فيها، التي وصفتها بالشيقة، بعد ذلك قام الضيوف بتوديع الملك عبد العزيز، لقد تكون مع انقضاء مدة إقامتهم في مدينة جدة انطباع جيد عن الملك ومملكته بوجه عام، لقد أكدت الأميرة في مذكراتها ورسائلها على صدق ونبل مشاعر الملك عبد العزيز لصداقته مع بريطانيا، حيث أبرزت ذلك بقولها: “لقد ودعنا صديقا حميما وذلك بكل ما تحمله الكلمات من معنى”. لقد أكد بولارد على أن تلك الزيارة كانت ناجحة بكل المقاييس، وأنها قد أنعشت الطابع الودي للعلاقات السعودية ـ البريطانية، حيث أدت حسب ما رأى إلى إيجاد انطباع لا مثيل له لدى الملك عبد العزيز وأعضاء حكومته، لقد خاطب الوزير البريطاني في جدة وزير الخارجية البريطاني وذلك في التقرير المرسل إلى لندن حول تلك الزيارة بقوله: “كنت أتمنى أن تكون هنا لترى بنفسك النجاح الرائع لهذه الزيارة، لا يمكن تخيل نجاح أكثر من هذا النجاح”. ثم أردف بولارد بالقول: “لقد أحيت الزيارة جوهر العلاقة، وهذا هو الأمر الذي قدره وامتن له الملك عبد العزيز ورجاله، حيث اتضح ذلك بدفء اللقاءات العديدة التي تمت أثناء الزيارة”. بذلك تكون الزيارة الملكية البريطانية قد حققت أهم أهدافها، مع العلم أن قصتها الكاملة لم تنته بعد، بل إن الرحلة الشيقة التي قامت بها الأميرة آليس وايرل اثلون ومرافقوهما عبر أراضي المملكة كانت في بداية مسارها.

ومن غرب المملكة، اقتضت زيارتهما عبور الجزيرة العربية إلى شرقها مروراً بالطائف حيث توجهت الأميرة آليس ومرافقوها إليها بقافلة سيارات، ثم ما لبثوا أن صادفتهم صعوبات شتى، ولكن تلك المصاعب لم تعكر صفو الأميرة التي أسرتها المناظر الخضراء الخلابة التي رأتها خلال الطريق، واستمتعت بقضاء الليالي في المخيمات التي كانت تنصب لهما بين الفينة والأخرى في فترات منتظمة عبر الصحراء، وبعد عبور طرق وعرة مروراً ببئر عشيرة والدوادمي استقرت الأميرة أليس وزوجها في قصر الضيافة الملكية في البديعة على الضفة الغربية لوادي حنيفة، ثم قاما بزيارة للرياض حيث استقبلهما ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز في قصر الحكم، عقب ذلك تجولا في الرياض حيث شاهدا حصن المصمك، ثم العاصمة السعودية السابقة الدرعية.

وقد واصلت قافلة الأميرة رحلتها من الرياض نحو ساحل المملكة الشرقي على الخليج العربي، ثم توقفت في الأحساء، فاستقبل أمير المنطقة، الأمير سعود بن جلوي الأميرة آليس وايرل اثلون وواصلا رحلتهما بالسيارات إلى العقيق ثم الدمام، وقاما بزيارة آبار البترول في بداية انتاجه بكميات تجارية، ومن هناك أبحرت الأميرة الى مملكة البحرين، قبل ان يستقلا الطائرة مغادرين إلى القاهرة ثانية ثم العودة منها إلى وطنهما.

وقد قامت سمو الأميرة بتوثيق رحلتها التي استغرقت زهاء ثلاثة أسابيع، وصورت عدداً من أحداثها بصور نادرة لم تنشر من ذي قبل، اضافة إلى فيلم سينمائي وكتبت مذكراتها حول الرحلة في صورة خطابات موجهة إلى ابنتها اضافة إلى ما تضمنه تقرير ريدو بولارد الوزير البريطاني المفوض في جدة واصفاً الرحلة بأنها لاقت نجاحاً هائلاً على الصعيدين الاجتماعي والدبلوماسي.

ويبدو من الصور التي التقطتها ان الأميرة أليس كانت بارعة في فن التصوير، وقد التقطت بعدستها أكثر من 320 صورة فوتوغرافية نادرة باللونين: الأبيض والأسود، وضمن هذه الصور بعض الصور الملونة، قام بالتقاطها شخص آخر ويظن انها أول صور ملونة تلتقط في المملكة العربية السعودية على الاطلاق.

أسهمت تلك الرحلة التي قام بها الوفد الزائر عبر الأراضي السعودية  انطلاقاً من جدة وانتهاء بالساحل الشرقي على إعطاء الوفد والعائلة المالكة البريطانية انطباعاً إيجابياً عن المملكة العربية السعودية، ولقد تجلى انعكاس هذا الأمر من خلال ما كتبته الأميرة آليس في مذكراتها ومراسلاتها عن الرحلة، فلا يمكن تجاهل انعكاسات البعد الإيجابي من خلال ما كتبته وكذلك ما قد تكون بالفعل قد روته لاحقاً لعدد من الأعضاء البارزين في العائلة المالكة البريطانية.

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني