في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة وحالة عدم الاستقرار الأمني التي تعاني منها دول الجوار، برزت علاقة المملكة العربية السعودية بدولة الإمارات العربية المتحدة كعلاقة استثنائية في المنطقة اتسمت بالوضوح في الرؤى والثبات في المواقف فضلاً عن الثقة المتبادلة للسير نحو رفعة البلدين وشعبهما وتحقيق أهدافهما على المدى البعيد.

وتعتبر هذه العلاقة قديمة قدم منطقة الخليج، حيث أسس ركائزها الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيب الله ثراهما-، لتسير قيادات البلدين من بعدهم على ذات النهج في توثيق هذه العلاقة التي تعززها أواصر الدم، الإرث والمصير المشترك.

وفي هذا الإطار يذكر الناشط في الإعلام السياسيعقل الباهلي أن من يرغب في تقييم العلاقات السعودية الإماراتية عليه العبور من مرحلة التأسيس لدولة الإمارات، ففي الثاني من ديسمبر سنة 1971 تم الإعلان عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة الشيخ زايد رحمه الله ومشاركة كل رؤساء الإمارات الست في المجلس الاتحادي الأعلى، لتلتحق إمارة الفجيرة في العام التالي مكملةً عقد دولة الإمارات كما نراها اليوم، وأضاف: “كانت حكمة المؤسسين في مجلس التعاون أكثر تأثيرًا من المصالح الضيقة لكل دولة على حدة، فعلى الرغم من المشاكل الحدودية بين بعض دول المجلس تعالج خارج المجموع الوطني وإنما بين القيادات السياسية، ولذلك عولجت قضية الحدود والتقاسم النفطي بين السعودية والإمارات برؤية الخير والتسامح”.

وتتميز سياسة البلدين سواء على المستوى الإقليمي أو العالمي بالتوجهات الحكيمة والعادلة تجاه القضايا المختلفة خاصةً المتعلقة بمواجهة نزعات التطرف، التعصب، الإرهاب وكل ما من شأنه المساس بأمن واستقرار الخليج والأمة العربية من خلال نصرة قضاياها في المحافل الدولية والسعي نحو توحيد مصالحها بالإضافة للتعاطي بشكل موحد في القضايا والمستجدات، ففي مارس2011 شكل التعاون السعودي-الإماراتي بجانب القوات الكويتية البحرية في إطار قوة “درع الجزيرة” حصنًا منيعًا ضد محاولات زعزعة أمن دولة البحرين وتعريضها لحالة من عدم الاستقرار، ومنذ مارس 2015 حيث بداية عمليات “عاصفة الحزم” والقوة الإماراتية تمثل الذراع الأيمن للقوات السعودية في التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن وحماية الحدود من أيدي جماعة الحوثي، وهذا ما يؤكده الباهلي في قوله: “كان للتحالف العربي لإنقاذ اليمن والدور المتميز لمشاركة  الإمارات الفعالة التأثير الإيجابي في المزيد من التنسيق والتحالف من أجل بناء علاقة إستراتيجية تفضي إلى مسارات جديدة متوازية مع مصالح الدولتين غير متعارضة مع بقية الأعضاء في مجلس التعاون”.

كما يوضح الكاتب والمحلل السياسي غازي الحارثي أن العلاقة السعودية – الإماراتية نموذجًا للاتحاد الاستراتيجي بين بلدين على أساس المصير والمصالح المشتركة مردفاً: “لا أعتقد أنه يوجد نموذج مماثل لهذه العلاقة في مكان آخر من العالم، ففي اليمن رؤية وموقف موحدين تجاه عدة أطراف وحماية مشتركة للأمن القومي في منطقة الخليج من تمدد إيراني محتمل كان سيكون من الخطورة لو نجح، أما في مصر فقد وقفت السعودية والإمارات يدًا بيد لدعم حكومتها الشرعية حتى تعود مصر قوية يعتمد عليها في حماية المصالح القومية العربية، واليوم تنجح هذه الرؤية بعودة مصر لاعب مهم في حماية مصالحنا المشتركة خصوصًا في الملفين الفلسطيني والسوري”.

واتجهت علاقة الدولتين لإنشاء مجلس التنسيق السعودي الإماراتي عام 2016، والذي من شأنه أن يضفي الطابع المؤسسي على العلاقة حيث يهدف في جوهره إلى تحقيق مزيد من تنسيق المواقف في الأمور ذات الاهتمام المشترك واتخاذ القرارات في القضايا الملحة بشكل آنٍ وفعال لكونه قناة للاتصال المباشر بينهما، ويقول الباهلي: “قاد هذا المجلس العلاقات السعودية الإماراتية إلى مزيد من التقارب خصوصًا بعد تشكيل المجلس الاقتصادي السعودي بقيادة الأمير محمد بن سلمان كولي لولي العهد وزاد التنسيق والتعاون بعد تقلد الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد”.

ومن ناحية تجارية تتصدر الإمارات قائمة الدول الخليجية المصدرة إلى السعودية كما تجيء في مقدمة الدول الخليجية التي تستقبل الصادرات منها، وتلعب الاستثمارات بين البلدين دورًا حيويًا حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما لأكثر من 21 مليار ريال سعودي، وفي هذا الإطار أصدرت حكومة أبو ظبي في أكتوبر الماضي قرارًا بإعفاء المستثمر السعودي من الرسوم ومعاملته كالمواطن الإماراتي فضلاً عن تشكيل الدولتان فريق عمل لتنسيق الاستثمارات الخارجية المشتركة ما يعني تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري وزيادة التبادل التجاري.

ويذكر الباهلي: “ما صدر من دولة الإمارات باعتبار السعودي مثل الإماراتي في العمل والإقامة يؤشر إلى المزيد من التقارب وتعديل القوانين بحيث يصبح الحديث عن تسهيلات جديدة في العلاقات الخليجية بعد أن تنقشع سحابة الخلافات الحالية هي الأكثر رواجًا في قادم الأيام، ويمكن الإشارة إلى أن المسار الاقتصادي والاجتماعي فقط ليست كافية لبناء تحالف قوي قابل للتطور وإنما يحتاج التنسيق المشترك إلى تطوير آلية المشاركة السياسية وترسيخ دولة المؤسسات وحماية حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير فالمستقبل للأقوياء والقوة تأتي من مبدأ التشارك في صناعة القرار ولنا في دول العالم المثل الحي”.

ويعد التواصل العفوي والمتناغم بين شعبي الدولتين خاصة في الاحتفالات الوطنية دليلاً واضحًا على عمق العلاقة بينهما فتجاوزت بذلك مفهوم العلاقة بين القادة إلى الأخوة والتلاحم بين الشعوب، لتسير الدولتان من خلال رؤية الإمارات 2021 والمملكة 2030 نحو اقتصاد تنافسي متنوع يقوم على سياسات تنموية مشتركة ما يعني مزيدًا من التقدم تشهده علاقة البلدين في المستقبل.

تقرير: 

جنان الشايع

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

ادخل الكود * Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.