” لا تخافوا.. هذا الجسد كقميص رثّ.. لا يدوم ..
حين أخلعه .. سأهرب خلسة من بين الورد المسجّى في الصندوق ..
وأترك الجنازة “وخراريف العزاء”
عن الطبخ وأوجاع المفاصل والزكام … مراقبة الأخريات الداخلات ..
والروائح المحتقنة …
وسأجري كغزالة إلى بيتي …
سأطهو وجبة عشاء طيبة ..
سأرتب البيت وأشعل الشموع …
وأنتظر عودتكم في الشرفة كالعادة ..
أجلس مع فنجان الميرمية ..
أرقب مرج ابن عامر ..
وأقول .. هذه الحياة جميلة
والموت كالتاريخ ..
فصل مزيّف .. ”

في سيناريو مُتخيل كتبت ريم بنا تلك الكلمات لتخفف عن اطفالها قسوة رحيلها، هذا وقد توفيت ريم بنا في صباح الرابع والعشرين من مارس 2018 بعد جولة رقص مليئة بالأمل والألم امتدت لتسعة أعوام مع مرض السرطان.

 

من هي ريم بنا؟
ريم بنا هي مغنية وملحنة ولدت في مدينة الناصرة الفلسطينية في 6 ديسمبر عام 1966، والدتها هي زهيرة صباغ الشاعرة ورائدة الحركة النسوية في فلسطين.
كانت ريم محبة للغناء منذ حداثة سنها، وكانت تحرص دائما على المشاركة في المهرجانات والمناسبات الوطنية التي كانت تقام في مسقط رأسها وكذلك المشاركة في الاحتفالات التي كانت تقام في المدرسة المعمدانية حيث تلقت تعليمها.
ازداد شغف ريم بالموسيقى مع مرور السنوات، وعندما تخرجت من المدرسة الثانوية أخذت الخطوة الأولى لاحتراف الغناء فسافرت إلى موسكو للدراسة في Gnesins المعهد العالي للموسيقى، وتخصصت في الغناء الحديث وقيادة مجموعات غنائية، وفي عام 1991 تخرجت ريم في المعهد بعد أن قضت نحو 6 سنوات من الدراسة الأكاديمية.

تزوجت ريم من الأوكراني Leonid Alexeyenko ليونيد أليكسيانكو، وهو زميلها السابق في المعهد العالي للموسيقى، وقد عمل الزوجان معاً في تأليف الأغاني وتلحينها، ورزقا خلال زواجهما بثلاثة أطفال، لكن علاقتهما قد تدهورت لينتهي الأمر بانفصالهما في 2010.

خطوات وبصمات ريم في الحياة والفن
تميزت أغاني ريم بنا بطابع خاص حيث اعتمدت غناء التهاليل والتهويدات الفلسطينية وعملت على تقديم الأغاني الفلسطينية التراثية بموسيقى عصرية، فحظيت باهتمام الجمهور منذ بداياتها، وكانت ريم تستقي كلمات أغانيها من التراث الفلسطيني وثقافته، وكانت حريصة على التعبير عن أفكار الشعب الفلسطيني وتطلعاته وهمومه ونقلها إلى العالم، تصف ريم موسيقاها بأنها وسيلةٌ للتعبير عن الذات الثقافية، فتقول: ” جزء من عملنا يتألف من جمع النصوص الفلسطينية التراثية الغير ملحنة، حفاظاً على هذه النصوص من الضياع، ثم نحاول تأليف موسيقى عصرية مستوحاة من الموسيقى الفلسطينية التُراثية لتتماشى مع هذه النصوص “.

أطلقت ريم ألبومها الغنائي الأول “جفرا” في عام 1985، وقد اختارت اسمه تيمنا بالأغنية التراثية الفلسطينية جفرا، وفي عام 1986، أطلقت ألبومها الغنائي الثاني بعنوان “دموعك يا أمي”، تابعت ريم مشوارها الفني خلال التسعينيات وسعت في تلك الفترة إلى إحياء الأغاني الفلسطينية القديمة ولاسيما أغاني الأطفال، فسجلت نسخ جديدة من تلك الأغاني وساهمت بذلك مساهمة جليلة في إحياء التراث الفلسطيني والحفاظ عليه بعدما طوته صفحات النسيان، وقد حرصت ريم على المشاركة في مهرجانات الأطفال وتأدية تلك الأغاني أمامهم، مما أدى إلى انتشارها بصورة واسعة في أوساطهم.

في عام 1993، أطلقت ريم ألبومًا ثالثًا حمل عنوان “الحلم”، وبعدها أطلقت ألبومين غنائيين للأطفال هما: “قمر أبو ليلة” عام 1995، و”مكاغاة” عام 1996.
بعدها عادت ريم مجددًا إلى خط الغناء الوطني وأصدرت ألبومًا وطنيًا اسمه “وحدها بتبقى القدس” عام 2001.

تهويدات من محور الشر
ذاع صيت ريم بنا في البلدان الأوروبية بعدما شاركت في ألبوم غنائي اسمه “تهويدات من محور الشر Lullabies from the Axis of Evil” إلى جانب المغنية كاري بريمنس Kari Bremnes، إذ سافرت ريم إلى النرويج لتقدم حفلة فنية مشتركة معها، تضمنت فكرة هذا الألبوم وجود مغنيات من بلدان محور الشر- مصطلح أطلقته إدارة الرئيس الأمريكي بوش على عدد من البلدان المناهضة للسياسات الأمريكية- تغنين تهويدات من ثقافة بلادهن.
وهكذا كان هذا الألبوم أشبه برسالة موسيقية رافضة للحرب، ومعارضة لسياسات الرئيس الأمريكي جورج بوش.

تابعت ريم تقديم الأغاني الوطنية، فأطلقت ألبوم “مرايا الروح” الذي أهدته إلى الأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية. تميز هذا الألبوم عن سابقيه بموسيقى أغانيه التي مزجت بين نمط البوب وبين الأسلوب الشرقي، فكان مختلفًا عما قدمته ريم سابقًا.

في عام 2006، أصدرت ريم ألبوم “لم تكن تلك حياتي”، وأهدته إلى الشعبين اللبناني والفلسطيني. وفي العام التالي، أطلقت ألبوم “مواسم البنفسج: أغاني حب من فلسطين”، ليليه ألبوم آخر بعنوان “نوار نيسان”.

لم تكتف ريم بالغناء في المهرجانات المقامة داخل فلسطين، بل أقامت عدة حفلات غنائية في بلدان عربية مختلفة مثل سوريا وتونس ولبنان.

وبالتزامن مع ذلك، أطلقت ألبومين جديدين هما: “صرخة من القدس” عام 2010، و”أوبريت بكرا” عام 2012.

 

عانت ريم من مشاكل صحية كثيرة أثرت على مسيرتها الفنية تأثيرًا كبيرًا، فقد أصيب بسرطان الثدي للمرة الأولى عام 2009، وبعدها بستة أعوام أصيبت به مرة ثانية، كذلك أصيبت بشلل في الوتر الصوتي الأيسر، مما اضطرها إلى التوقف عن الغناء في 2016.

دفنت ريم في الناصرة يوم السبت الماضي ونعتها والدتها قائلة: “رحلت غزالتي البيضاء، خلعت عنها ثوب السقام ورحلت .. لكنها تركت لنا ابتسامتها تضيء وجهها الجميل تبدد حلكة الفراق”.

* صورة الغلاف من تصميم الفنانة/ منال العويبيل manalines

 

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

ادخل الكود * Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.