وأنت تسير في منطقة جدة التاريخية، تكاد تظن أنك وسط أمسية فنية تراثية، يستقبلك المنشدون منذ بداية المسار وحتى نهايته بالمجسات الحجازية تهليلا وترحيبا.
وما أن تنتهي من منطقة، إلا ويستقبلك “جسيس” آخر مرحّبا بقدومك إلى منطقته، وما عليك سوى أن ترقّ منصتا ومستمتعا للأبيات الشعرية الفصيحة التي يغني بها، وبعد نهاية كل مقطع يرد الزوار بكلمات الاستحسان والتشجيع.
القرن العاشر الهجري
على الرغم من مضي سنوات طويلة على بزوغ هذا اللون الجميل، ودخول التقنية مناحي الحياة الاجتماعية، إلا أنه ما زال عند الأهالي وبخاصة في المنطقة الغربية، يتوارثونه جيلا بعد آخر، ويشير المختصون بأن “المجس” أو الموال الحجازي عُرف منذ القرن العاشر الهجري.

وتوزع المنشدون أو ما يعرف في منطقة الحجاز بـ”الجسيس” في خمس مناطق داخل مسار فعاليات “مسك جدة التاريخية” التي أطلقها مركز مبادرات مسك التابع لمؤسسة محمد بن سلمان “مسك الخيرية”، كلاً يغرد بأشجانه وكلماته الترحيبية التي تجذب الزوار والمارين، وسرعان ما يوجّه الزوار هواتفهم المحمولة صوب “الجسيس”، موثقين اللحظات الجميلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

والمجس هو فن الموال في الحجاز و تهامة ازدهر المجس في مدن الحجاز كمثل المدينة المنورة والطائف وكذلك مدن تهامة كمثل مكة المكرمة وجدة، وهو لون تراثي عريق، ويغنى من بيتين أو أربعة أبيات أو سبعة أبيات من عيون الشعر العربي، وكان مؤدو المجس يعرفون بـالجسيسة.
ويبدو في شكله الأولي ضربا من ضروب الموال العربي الذي تعرفه كل أقطار العالم العربي كالموال المصري والعراقي والشامي، ويكتسب المجس بديعيته من صعوبة أداءه؛ فهو يبدأ من مقام معين ثم يتمشى في مقام آخر، ليعود إلى نفس المقام، ويستخدم المجس في الإنشاد المدني والديني معاً، وارتبط مؤخراً بالمناسبات الثقافية، وموالد المديح، وحفلات الزواج وعقد القران.
معنى المجس
الجسيس محمد الزبيري، مضى 17 عاما في مجال الفنون الشعبية الحجازية، موضحاً بأن كلمة “مجس” أخذت من الجسّاس، وهو المنشد الذي يؤدي أناشيد الزيارة للمدينة المنورة، وفي الأعراس لمديح العروسين والدعاء لهما.

وحول معنى كلمة جسّاس أو مجس، أشار الزبيري إلى أنها مأخوذة من “جسّ” أي اللمس باليد أو الفحص، وربما تكون كلمة “مجس” مأخوذة من ذلك، لأن المنشد يجس طبقة صوته، حيث جرت العادة بافتتاح الموال من طبقة منخفضة، ثم ترتفع تدريجيا إلى طبقة عليا أو العكس.

الجميل في فعاليات هذا العام، انتشار المنشدين الذين يؤدون المجسات الحجازية في مناطق عدة داخل مسار الفعاليات، بهدف خلق أجواء ماتعة للزوار، وكسر الروتين والملل الذي قد يخالج البعض أثناء الانتقال من موقع لآخر، إضافة إلى الاعتزاز بالموروث الفني الذي تمتاز به منطقة الحجاز دون غيرها، وتعريف الأجيال الجديدة باللون التراثي العريق وتعليم الصغار أصوله لكي يُحفظ ويُتوارث.

أداء جداوي
المجس الذي اشتهرت به منطقة الحجاز وعرف “بالحجازي” هو فن تراثي جميل معروف في منطقة الحجاز وحدها وله وقع مؤثر في النفوس، وقد عُرف الشخص الذي يؤدي هذا اللون بـ”الجسيس”، ويتوجب عليه أن يجيد أسياسيات وقوانين ونظام وطرق أدائه الفذة التي ينفرد به أهالي المنطقة كافة، وقد لا يختلف عن طريقة أداء ما يسمى بالموال في بعض البلدان العربية، لأنه يستميل قلوب المستمعين، كما أنه لا يختلف عن طريقة أداء الأناشيد الإسلامية ، إلا أنه يختص بأداء جداوي فريد.

ويعتبر “الجسيس” من المظاهر والعادات القديمة الجميلة التي يحرص أهالي جدة وأهالي الحجاز عموماً أن يكون متواجداً في جميع مناسباتهم وخصوصاً الأفراح، وكان أهل العريس حينما يتجهون إلى أهل العروس ومعهم الجسيس يحملون معهم الأتاريك والفوانيس للإضاءة، ورغم توفر الإضاءة اليوم، إلا أن هذه العادة لا تزال موجودة وهي حمل الأتاريك والفوانيس.

 

(الفيديو من الأرشيف)

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

ادخل الكود * Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.