اليوم العالمي للقهوة هو مناسبة للإحتفال بمشروب القهوة في جميع أنحاء العالم، أما بالعودة إلى تاريخ القهوة، فعلى الرغم من العدد الكبير من الشكوك حول المصدر الأول لحبوب البن، إلا أن جميع المؤرخين يؤكدون أن أوائل المستخدمين الذين جعلوا من القهوة مشروباً اجتماعياً وعادة منتظمة، هم أهل اليمن، بدءاً من القرن الخامس عشر.

تاريخ القهوة
ومن بين القصص المحكية في اليمن، قصة راعي غنم لاحظ أن أغنامه أصبحت نشيطة وكثيرة الحركة بعد أن تناولت نوعاً من الحبوب التي كانت في أحد السهول، وبعد فترة من الزمن، بدأ أهل اليمن يصنعون شراباً من حبوب البن المكتشفة على درجة حرارة عالية، سرعان ما تم تسميتها بالقهوة.

واستعملت القهوة آنذاك من قبل المتصوفين، الذين يحرصون على السهر ليلاً لإقامة صلواتهم، وكانت القهوة تنشّط ذهنهم على الدوام، وبحسب الروايات، فإن القهوة انتقلت شمالاً نحو بلاد الحجاز ودخلت في تقاليد الشعوب التي عاشت هناك ومن ثم وصلت إلى القاهرة التي كانت أكبر مركز للسكان في ذلك الوقت، ومن هناك انتقلت إلى اسطنبول التي كانت عاصمة امبراطورية كبرى عن طريق تجار من بلاد الشام يقال إن أحدهما من دمشق يدعى حكيم، والثاني من حلب واسمه شمس.

ومن تركيا، سافرت القهوة إلى لندن عام 1652، وسرعان ما باتت مشروباً يتعاطاه أغلب الناس في العالم.

وفي حين تشير الدراسات إلى أن عدد شاربي المشروبات الغازية في انخفاض، تبقى المقاهي والمحلات التي تقدم الأنواع المتعددة من القهوة الأكثر انتشاراً.

وكما للقهوة مذاقها البديع فى الفنجان، لها أيضًا مذاق خاص فى الشعر، وحين يجرى الحديث عن عشق القهوة والكتابات التى سردت عنها، فلا تغيب عن اذهاننا كتابات الشاعر الراحل محمود درويش المشهور بعشقه للقهوة، وبمناسبة اليوم العالمي للقهوة فقد قمنا بتجميع عدة مقولات من كتاب (ذاكرة للنسيان) يتحدث فيها درويش عن معشوقته الأشهر القهوة، وعن طريقته أو طقوسه أمامها.

فيتحدث عن عشقه للقهوة فيقول:

أُريد رائحة القهوة. لا أريد غير رائحة القهوة. ولا أريد من الأيام كلها غير رائحة القهوة، رائحة القهوة لأتماسك، لأقف على قدميّ، لأتحول من زاحف إلى كائن، لأوقف حصتي من هذا الفجر على قدميه. لنمضي معًا، أنا وهذا النهار ، إلى الشارع بحثًا عن مكانٍ آخر.

وفي حديثه عن أحد الفترات التي قضتها بيروت تحت نيران الاحتلال الصهيوني، قال:

كيف أذيع رائحة القهوة في خلاياي، وقذائف البحر تنقضٌّ على واجهة المطبخ المطل على البحر لتنتشر رائحة البارود ومذاق العدم ؟

صرت أقيس المسافة الزمنية بين قذيفتين، ثانية واحدة .. ثانية واحدة أقصر من المسافة بين الزفير والشهيق، أقصر من المسافة بين دقّتيْ قلب .. ثانية واحدة لا تكفي لأن أقف أمام البوتاغاز الملاصق لواجهة الزجاج المطلة على البحر .. ثانية واحدة لا تكفي لأن أفتح زجاجة الماء، ثانية واحدة لا تكفي لأن أصبّ الماء في الغلاية. ثانية واحدة لا تكفي لإشعال عود الثقاب. ولكن ثانية واحدة تكفي لأن أحترق.

ويعود بعد ذلك مكررًا:

أُريد رائحة القهوة. أريد خمس دقائق .. أُريد هدنة لمدة خمسة دقائق من أجل القهوة. لم يعد لي من مطلب شخصي غير إعداد فنجان القهوة. بهذا الهوس حدّدت مهمتي وهدفي. توثبتْ حواسي كلُّها في نداء واحد واشرأبّت عطشى نحو غاية واحدة: القهوة..

ثم يتحدث عن القهوة وإدمانه لها، فيقول:

والقهوة، لمن أدمنها مثلي هي مفتاحُ النهار.

والقهوة، لمن يعرفها مثلي؛ هي أن تصنعها بيديّك، لا أن تأتيك على طبق، لأن حامل الطبق هو حامل الكلام، والقهوة الأولى يفسدها الكلام الأول لأنها عذراء الصباح الصامت. الفجرُ، أعني فجري، نقيضُ الكلام. ورائحة القهوة تتشرّب الأصوات، ولو كانت تحيةً مثل “صباح الخير” وتفسد.

وبعدها يقول:

لذا فإن القهوة هي هذا الصمتُ الصباحي، الباكِر، المتأني، والوحيد الذي تقف فيه وحدك، مع ماء تختاره بكسل وعزلة في سلام مبتكر مع النفس والأشياء، وتسكبه على مهل وعلى مهل في إناء نحاسيّ صغير داكِن وسريّ اللمعان، أصفر مائل إلى البنّي، ثم تضعه على نار خفيفة.. آه لو كانت نار الحطب.

يبرر:

لأن القهوة؛ فنجان القهوة الأول، هي مرآة اليد. واليدُ التي تصنع القهوة تُشيع نوعية النفس التي تحركها. وهكذا، فالقهوة هي القراءةُ العلنية لكتاب النفس المفتوح .. والساحرة الكاشفة لما يحمله النهار من أسرار.

وعن حالة شرب القهوة:

خُذْ القهوة إلى الممرّ الضيق. صبّها بحنان وافتنان في فنجان أبيض، فالفناجين داكنة اللونج تفسد حرية القهوة .. راقِب خطوط البخار وخيمة الرائحة المتصاعدة. أشعِل سيجارتك الآن، السيجارة الأولى المصنوعة من أجل هذا الفنجان، السيجارة ذات المذاق الكوني التي لا يعادلها مذاق آخر غير مذاق السيجارة التي تتبع عملية الحب، بينما المرأة تدخِّن آخر العرق وخفوت الصوت..

ها أنذا أُولد. امتلأت عروقي بمخدرها المنبّه، بعدما التقت بينبوع حياتها، الكافيين والنيكوتين وطقس لقائهما المخلوق من يدي.

أتسائل: كيف تكتب يدٌ لا تبدع القهوة؟ كم قال لي أطباء القلب، وهم يدخنون: لا تدخِّن ولا تشرب القهوة. وكم مازحتهم: الحمار لا يدخن ولا يشرب القهوة، ولا يكتب.

في تصنيف القهوة تبعًا لأصحابها من مذاقها يقول:

أعرف قهوتي، وقهوة أمي، وقهوة أصدقائي. أعرفها من بعيد وأعرف الفوارق بينها. لا قهوة تشبه قهوة أخرى. ودفاعي عن القهوة هو دفاع عن خصوصية الفارِق. ليس هنالك مذاق اسمه مذاق القهوة، فالقهوة ليستْ مفهومًا وليست مادة واحدة، وليست مطلقًا. لكل شخص قهوته الخاصة، الخاصة إلى حدّ أقيس معه درجة ذوق الشخص وأناقته النفسية بمذاق قهوته.

ثمّة قهوة لها مذاق الكزبرة، ذلك يعني أن مطبخ السيدة ليس مُرتّبًا. وثمّة قهوة لها مذاق عصير الخروب. ذلك يعني أن صاحب البيت بخيل. وثمّة قهوة لها رائحةُ العطر ذلك يعني أن السيدة شديدة الاهتمام بمظاهر الأشياء. وثمّة لها ملمس الطحلب في الفم. ذلك يعني أن صاحبها يساريّ طفولي. وثمّة قهوة لها مذاق القِدم من فرط ما تألّب البُن في الماء الساخن. ذلك يعني أن صاحبها يميني متطرف. وثمّه قهوة لها مذاق الهال الطاغي. ذلك يعني أن السيدة محدثة النعمة..

ويعقّب قائلًا:

لا قهوة تشبه قهوة أخرى. لكل بيت قهوته، ولكل يد قهوتها، لأنه لا نفس تشبه نفسًا أخرى. وأنا أعرف القهوة من بعيد: تسير في خط مستقيم، في البداية، ثم تتعرح وتتلوى وتتأوّد وتتأوّه وتلتفّ على سفوح ومنحدرات، تتشبّث بسنديانة أو بلوطة، وتتفلّت لتهبط الوادي وتلتفت إلى وراء، وتتفتّت حنينًا إلى صعود الجبل وتصعد حين تتشتت في خيوط التاي الراحل إلى بيتها الأول..

واصِفًا رائحتها:

رائحة القهوة عودة وإعادة إلى الشيء الأول، لأنها تنحدر من سلالة المكان الأول، هي رحلة بدأت من آلاف السنين. ومازالت تعود. القهوة مكان، القهوة مسام تُسرِّب الداخل إلى الخارج، وانفصالٌ يُوَحِّد ما لا يتوحّدُ إلّا فيها هي رائحة القهوة. هي ضدُّ الفطام. ثدي يُرضع الرجال بعيدًا. صياحٌ مولود من مذاق مُرّ، حليب الرجولة، والقهوة جغرافيا.

وأخيرًا، يقول:

القهوة لا تُشرَب على عجل. القهوة أُختُ الوقت. تُحتَسى على مهل .. على مهل .. القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة.

القهوة تأمّل وتغلغل في النفس وفي الذكريات. والقهوة عادة تلازمها بعد السيجارة عادة أخرى هي .. الجريدة..

القهوة في عيون درويش؛ كالحُبّ.. قليلٌّ منه لا يروي؛ والكثير منه لا يُشبِع.

هوة تشبه قهوة أخرى. لكل بيت قهوته، ولكل يد قهوتها، لأنه لا نفس تشبه نفسًا أخرى. وأنا أعرف القهوة من بعيد: تسير في خط مستقيم، في البداية، ثم تتعرح وتتلوى وتتأوّد وتتأوّه وتلتفّ على سفوح ومنحدرات، تتشبّث بسنديانة أو بلوطة، وتتفلّت لتهبط الوادي وتلتفت إلى وراء، وتتفتّت حنينًا إلى صعود الجبل وتصعد حين تتشتت في خيوط التاي الراحل إلى

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني