لطالما كانت الصحافة طريقًا أوليًا في البحث عن الحقيقة وأوجهها مهما بدا ذلك هدفًا صعبًا وعملًا شاقًا. ما إن يختار الصحفي\ـة ذلك الطريق، فسيبذل حتمًا كل ما بوسعه لتحقيق الهدف وراء ما يجمع ويحلل ويفكر ويحاور ويكتب لإيصاله للآخر. هل تعتقد إذن أنه من السهل اعتراض هذا الطريق بطريق ليس له رجوع بل بآخرٍ مسدود النهاية؟

يومًا بعد يوم نجد صحفًا ورقية تختار تغيير مسارها نحو الرقمنة، وأخرى تغلق أبوابها مجبرةً لتلاشي مصادر دخلها مهما كانت متنوعة. لتدخل الصحافة الورقية صراعًا من أجل البقاء، تواجه فيه أزمات وتحديات مختلفة أبرزها الأزمة المالية.

آن الأوان باعترافها أزمة:

بدأت المشكلات المالية التي تواجهها الصحافة كالكابوس الذي يهدد مستقبل المؤسسات الصحفية، مما أدى إلى الكثير من التنازلات في سبيل الحفاظ على الصحافة الورقية واللجوء إلى حلول قد تكون مؤقتة لتساعد على الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر.

خلال السنوات الأخيرة وبعد رفع الدعم الحكومي عن الصحف الورقية، وجدت الصحف نفسها عالقة في مأزق مالي، لجأت على إثره لتقليص عدد الصفحات والاستغناء عن الكثير من الصحفيين والكتاب والموظفين والإداريين.

يعود ذلك لتراجع المبيعات وقلة الإعلانات مما أدى إلى تبعات غير هينة في ظل تمسك المسؤولين بالربحية المطلقة للصحيفة بالرغم من إمكانية اتباع بعض الأساليب المرنة للحد من الخسائر في الوقت الحالي، كإنشاء الاشتراكات الالكترونية وما توفره من خدمات مقابل الدفع.

يقول عبده الأسمري – صحفي وكاتب – : “هناك صحف لا زال في ذمتها مبالغ لصحفيين خرجوا من بوابتها دون أن يستلموا شيئًا”.

يرى أغلب الصحفيين أنه في ظل التحول الوطني الذي تشهده المملكة العربية السعودية، يجب أن يرافق ذلك صحافة ورقية رصينة قادرة على أن تواكب هذه التطورات لتعبر عن الوطن والمواطن.

ومن هذا المنطلق لا زالت تطالب الصحف الورقية بعودة الدعم الحكومي حتى تتمكن من استقطاب الكتاب والصحفيين والكوادر المتميزة التي تسهل هذه المهمة.

لاسيما بعد رفع الدعم الحكومي الذي تبين من خلاله أن الإعلام لا زال غير جاهز لأن يكون إعلام قطاع خاص، لما يتطلبه ذلك الكثير من الأموال وهي التي لا تتوفر حاليًا، لقلة الإعلانات والاشتراكات وعزوف القراء عن شراء الصحف.

وراهن محمد البكيري – رئيس تحرير صحيفتي النادي والرياضي- في حوار سابق له، على أن الصحافة السعودية تعاني العجز المادي والخسائر المالية، مؤكدًا: “لا توجد تقريبًا صحيفة سعودية رابحة، وأنا أراهن على هذا الكلام، جميع الصحف السعودية غير رابحة”.

فبعد الأزمة المالية اضطرت بعض الصحف كصحيفتي الشرق والشمس إلى إغلاق أبوابها، وأخرى هددت بذلك كصحيفة الحياة التي أعيد إنعاشها نظراً لأهميتها السياسية. بالتالي أدت الأزمة إلى تقليل عدد صفحات الجريدة إلى النصف والسبب يرجع إلى قلة عدد المعلنين فيها.

كما كان دخل الصحف في السابق يفوق ما تكسبه الآن، خصوصًا وأن في الوقت الحالي لازالت كل الأدوات والورق والحبر تمتلك القيمة نفسها بالإضافة إلى رواتب الموظفين، فقد تلجأ بعض المؤسسات للبحث عن الأخبار المقدمة من صحافة المواطن وهي الأخبار والمعلومات والصور التي يقدمها مواطن في قلب الحدث للمؤسسة الإعلامية، بالرغم من افتقارها إلى كثير من المهنية والأساسيات التي يعتمد عليها الصحفي في كتابة أخباره.

لا شك بأن تخفيض المؤسسات والشركات ميزانيتها المخصصة للإعلان أدى لانحسار حجم الإعلانات، حيث تواجه شركات الإعلانات متغيرات في توجهات ميزانية التسويق، فأصبحت الأخيرة تستثمر في التركيز على الاتصال الفوري مع عملاء المنتج بدلًا من اللجوء للإعلان التقليدي، كما أن الإعلان عبر الانترنت أقل تكلفة فلتجأ الشركات للتسويق عبر مواقعها وحساباتها على شبكة الانترنت بدلًا من شراء مساحات إعلانية، مما يشكل تهديدًا لمصير هذه الصحف التي تعتمد على الإعلان بشكل أساسي. يقول د. أحمد الفراج – أكاديمي وكاتب -: “الصحافة الورقية ستنتهي وسيكون مصيرها الزوال إلا في حالتين: رجوع الإعلان أو الدعم الحكومي”.

صراع الاندثار والانتشار:

أحد أهم التحديات التي تواجهها الصحافة الورقية هي المنافسة بينها وبين الصحافة الرقمية، فانقسم القراء إلى شريحة لا زالت تفضل قراءة الصحف في شكلها التقليدي، وأخرى متمثلة بالشباب العجول الذي كل ما يهمه هو سرعة الوصول للمعلومة.

مباغتة جندي الإعلام بشكله الجديد وكل ما يوفره من أمور قد يصفها البعض بالخارقة، كسرعة توفير المعلومات والبحث عنها وكذلك الحصول عليها بسهولة فائقة ورصدها لحظة بلحظة عن طريق أجهزة الجوال ومواقع التواصل الاجتماعي، أدى إلى سيطرة التقنية على الحياة اليومية بشكل عام بما فيه طريقة البحث عن الخبر وسرعة الانتشار والتوسع لأكبر عدد ممكن من هذا العالم في غضون ثوانٍ، كما قالت أ.أبرار السبر – محررة وكاتبة صحفية في صحيفة إنماء –

تشير أيضًا وغيرها الكثير من الكتاب والصحفيين باحتمالية حلول الصحافة الرقمية كبديل للصحافة الورقية إذ أن العالم في تطور مستمر وكذلك الصحافة، فقارئ اليوم لم يعد يكتفي بخبر مقتضب عن حدث ما، بل يبحث عن كل ما وراءه ليعززه ويجعل منه حيويًا. نجدها اليوم تبث الأخبار العاجلة بصورة تفوق جودة الصحف التقليدية، ناهيك عن خدمة الصوت ومقاطع الفيديو التي تتعداها وصولًا لقلب الحدث لنقل القارئ إلى لُبّه عبر ما يعرف بصحافة المواطن التي تتميز بتزامن وقت نشر الخبر مع زمن حدوثه، دون الحاجة للمرور بمراحل الخبر العادي الخمسة. إضافةً لسمة التفاعلية التي تتيح للقارئ فرصة الرد والتعليق ليصبح جزءًا من الحدث بتكلفة مادية زهيدة.

الأمر الذي جعل صحيفة “الشرق الأوسط” تأخذ الخطوة الأولى من بين الصحف العربية لاتخاذ القرار بشأن إصدار النسخة الإلكترونية من الصحيفة في شهر أيلول من عام 1995م، تبعتها صحيفة “النهار اللبنانية” في شهر شباط 1996م، ثم صحيفتي “الحياة” و”السفير” اللبنانية لنفس العام. واضطرار الكثير من الصحف العربية والأجنبية الأخرى لإغلاق مكاتبها وتحولها لتكتفي بنسخة إلكترونية فقط.

يذكر سلطان المالكي – رئيس تحرير صحيفة عاجل -: “المسألة لا ترتبط بمنافسة بين نوعين من الصحافة، ولكنه تطور مرتبط بمتغيرات تتصل بالعلوم والتكنولوجيا والاتصالات، الصحافة هنا تتأثر بالتطورات ولا تؤثر فيها، وبالتالي أتوقع أن تصبح الصحافة الالكترونية هي السائدة والمهيمنة في غضون سنوات، وإن بقي للصحافة الورقية مجال فسيكون محدودًا ومؤقتًا”.

لا يعني ذلك بأن الصحافة الإلكترونية خالية من أي صعاب، ترى مثلًا السبر بأن التحديات التي تواجهها الصحف الرقمية لا تقارن بتلك التي تعاني منها الورقية، فالمشاكل التقنية لا تنتهي أبدًا، من تعطل مفاجئ للموقع أو بطء التحديثات المستمرة أو توقف خدمة الـ VoiceOver الذي يمكّن المكفوف من تصفح الأخبار بنفسه دون الحاجة لوجود مبصر يساعده. تضيف: “ولعلي هنا أعرج كفتاة حديثة الإصابة بالإعاقة البصرية كيف اضطررت للاستغناء عن الصحف الورقية التي اعتدت تصفحها بدقة ظهيرة كل يوم”.

تواضع مستخدمي الانترنت العرب ووصول أعدادهم لـ 14 مليون مستخدم فقط، وغياب آليات التمويل المتعددة سواء كان ذلك التمويل ذاتيًا أم معتمدًا على الإعلانات يخلق فجوة وتساؤلًا لدى المعلن حول احتمالية فشل الإعلان وعدم تحقيق العائد المطلوب منه، كل ما سبق يشكل تحديًا لمحاولات استمرار الصحيفة بشكلها الرقمي لاسيما إبرازها والوثوق بها من بين الكم الهائل من الصحف الصفراء التي تفتقد المصداقية ووضوح التوجه.

ظلم الصحيفة بمحدودية المحتوى:

من أبرز الأسباب التي تجعل القارئ  يبتعد عن شراء الصحف الورقية، ضعف المحتوى واقتصاره على الخبر، الذي يمكن للقارئ الحصول عليه بطرق أسرع على شبكات التواصل الاجتماعي، يضيف د. الفراج: “السبيل الأوحد لإنقاذ الصحافة الورقية التقارير المتميزة واستقطاب الكتاب المميزين بطرح مهم وجريء”.

يأتي ذلك نتيجة الأزمة المالية التي تتعرض لها الصحف واستغنائها عن عدد من الكوادر ذوي الخبرة العالية، مما أدى إلى اعتمادها على محتوى ضعيف لا يرقى لذائقة القارئ.

كما أن جودة المحتوى في الصحف الورقية عرضة للتزعزع، نتيجة المنافسة مع محتوى الصحف الرقمية التي توفر عنصر الصوت والصورة الذي يرفع من مصداقية المحتوى وقيمته.

محدودية محتوى الصحف الورقية جعلتها موجهة لفئة محددة من المجتمع دون الفئات الأخرى، فمن النادر أن نرى شابًا يحمل جريدة، أو طالبًا يقتنيها ليبحث عما يهمه. وبالرغم من أن فئة الشباب تعد قوة شرائية كبيرة، لا نجد الصحف تتوجه لها لتحقق المنفعة المتبادلة، بحيث تقدم الصحيفة دورها الأساسي في تقديم المعلومة والتثقيف للرقي بالمجتمع، بينما يمدها ذلك بدخل كافٍ لإنتاج هذا المحتوى. فنجد أن أحد أسباب ابتعاد المعلنين عن الإعلان في الصحف الورقية، هو معرفتهم بعزوف فئات متعددة عن قراءتها من بينها الفئة التي يستهدفها المعلن.

فنجد أن الصحف الورقية تقل من التقارير التي تتوجه لمختلف فئات المجتمع، فلا تتوفر الكثير من التقارير التي تحاكي طلاب المدارس والجامعات، أو الفنانين بمختلف فنونهم، بالإضافة للافتقار لتقارير تخص التقنيين والمختصين في شتى المجالات العلمية، مما يدفع القارئ للجوء إلى الشبكة العنكبوتية لقراءة ما يحتاجه، أو التوجه للصحف الأجنبية التي فاقت لأهمية هذا الجانب وعملت على الرقي بمحتواها.

من أهم الأسباب التي تتعلق بضعف محتوى الصحف الورقية، سقف الحرية التي ينخفض فيها مقارنة بمواقع التواصل الاجتماعي والصحافة الرقمية، فالقارئ يقبل عليها لمرونتها وتحررها من مقص الرقيب، بينما تقل ثقته بالصحافة الورقية.

على سبيل المثال لا نجد حضورًا قويًا للصحافة الاستقصائية في الصحف الورقية، أو صحافة التحليل والرأي.

يقول المالكي: “الحرية المسؤولة تضمن للصحافة أن تحقق انتشارًا مدعوم بمصداقية، وهذه الأخيرة من شأنها جذب العوائد وبالتالي ضمان الاستمرارية”.

في حال تغلبت الصحف الورقية على مشاكل المحتوى من ضعف ومحدودية، قد تصل بذلك لوضع مستقر من الاكتفاء الذاتي في ظل تراجع الإعلان.

إلا أن جميل الذيابي – رئيس تحرير جريدة عكاظ – له رأي آخر فيما يختص بمحدودية محتوى الصحف، حيث أشار إلى أن: “الصحف الورقية هي المرجع والحكم على أغلب ما تتداوله مواقع التواصل الاجتماعي من ناحية الخبر والتحقيق والرأي، كما تشبع نهم المحلل وتمكنه من الإطلاع على مختلف الآراء”.

 بدائل وحلول:

يقترح طراد السعيد – إعلامي رياضي- بدائل عدة عن الإعلانات من أجل الحفاظ على بقاء الصحيفة، كتفعيل التعاون مع الجهات الحكومية، واعتماد الإعلانات الحكومية والحقوقية على الصحف الورقية، واعتماد بعض الإعلانات مثل الوظائف على الصحف، وأيضًا تخفيض مبلغ الإعلان عما هو عليه لسحب جزء بسيط من سيل الإعلانات الإلكترونية.

نهايةً لا نستطيع الجزم أو حتى التنبؤ بما يحمله الغد لمستقبل الصحف الورقية الأجنبية والعربية، إذ تعد صحيفة “نيويورك تايمز” مثالًا لاحترام رغبة القارئ برجوعها لإصدار النسخ الورقية بعد أن اكتفت لمدة بالإلكترونية فقط. وتبرز أحد الاحصائيات بأن عدد قرائها اليومي يصل إلى مليارين ونصف للنسخة الورقية، مقارنةً بـ ٦٠٠ مليون قارئ للنسخة الإلكترونية.

إعداد : نجود بن شريم – لولوة العيسى – رند نصار

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

ادخل الكود * Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.