غالبًا ما تتردد جملة “العالم قرية صغيرة” بين أحاديث البشر، والتي تصف ما آل اليه الواقع الآن باختصار من حيث التطورات الهائلة على كافة الأصعدة، والتي جعلت قريبك – البعيد جغرافيًا – محافظًا على صلة القرابة فيزورك وتزوره يوميًا بالرغم من كل الأميال التي تحول بينكم، تسمع صوته وتراه ببثٍ مباشرٍ بعد أن اعتدتَ وصول رسالتك البريدية بعد أشهر من كتابتها مما يجعل كل الأمور منفصلة لاتزامنية بينكما.

جاءت الأقمار الصناعية اليوم والقنوات التلفزيونية والاتصالات الفضائية لتقدم الكثير مما في جعبتها ولتستمر في إدهاشنا متعديةً كل أسقف توقعاتنا متمثلةً بما يعرف بالعولمة. لم أحدد بـ(اليوم) اقتصار زمن العولمة ونشأتها على السنوات الحديثة التي نعيشها، بل سأفاجئك بأن ظهورها –كما ورد في Investopedia تحت عنوان ” When did globalization start?  متى بدأت العولمة؟” -قد بدأ قديمًا منذ نهاية القرن السادس عشر الميلادي مع بداية الاستعمار الغربي لآسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية ثم اقترنت بتطور النظام التجاري في أوروبا لتكوّن بعدها مسمى أو صفة “العالمية” ليتحول لاحقًا للـ “العولمة”

تقوم هذه العولمة على أربع عمليات من منافسة شديدة بين القوى العظمى العالمية، وانتشار تبادل السلع والخدمات والمنتجات،والتحديث المستمر، وكذلك عملية لا غنى عنها من الابتكار التكنولوجي والإبداع.

إذ تعتمد على حرية انتقال المعلومات بين الأفراد والمصادر المختلفة، وتدفق رؤوس الأموال والأفكار والاختراعات، لتتعداها لانتقال البشر أنفسهم من مكان لأماكن عدة،ومن مجتمع لمجتمعات بشرية مختلفة. جعل ذلك الباحثين يطلقون هذا المسمى والذي يعتبر لفظًا مترجمًا للمصطلح الانجليزي  Globalizationحسب ما جاء به البروفيسور ثيودور ليفيت -أستاذ التسويق في كلية هارفارد للأعمال- في مجلة هارفارد علم 1983م

تنوع مجالات العولمة أدى بالضرورة لتوسيع نطاق جميع ما تقدمه من مساعدات وتسهيلات، كاقتصادية مثلًا في توفيرها لسياسة حرية التجارة بين الدول ورؤوس الأموال دون وجود أي حواجز- حسب موقع The balance تحت عنوان The Impact of Globalization On Economic Growth -فقد بدا ذلك جلياً في الاتفاقيّة العامة للتعريفات والتجارة التي تنص على: “تأسيس تجارة دوليّة حرة ترفع مستوى المعيشة في الدول المتعاقدة، وتسعى إلى تطويرها، وتنمية وتوسعة الإنتاج والتبادل التجاري الدولي”

وأخرى جعلت من الأفراد في حالة من التنافس والسعي التام نحو التميز والإبداع والإتقان والارتفاع بطموحاتهم لمستويات أرقى، كما تنمي لديهم الصدق والوضوح في تعامل المرء مع نفسه لأنها تتطلع به نحو الكمال وقبول الآراء الأخرى حتى لو كانت نقدية.

كل ذلك لا يعني بأن العولمة تجيء بكل ما هو سليم فقط، إذ تحمل في طياتها أهدافًا على طول المدى والتي من الواجب علينا تبصير الآخرين بها لا سيما جيل الشباب الجديد والواعد الذي قد يتلبس عليه الأمر بالنظر للقشور والأخذ بها دونما أي تفكير مسبق عما ورائها، إذ تساهم في سحق الثقافة والحضارة الوطنية للإنسان، كما توجد فجوة بين الأفراد وتاريخهم الوطني وموروثاتهم الثقافية والحضارية التي تعود في أصلها إلى الآباء والأجداد ومن الحرص التشبث بها، وهي المسؤولة عن دمج معظم الشؤون الحياتية المبالغ فيه عبر وسائل الإعلام المتعددة لتعيش شعوب العالم تفاصيل بعضها البعض مهما كانت خصوصية، بذلك تمثل نوعَا من التبعية والسيطرة الإجبارية لتدخل في بعض الأحيان للتفرقة بين الأجناس البشرية. ناهيك عن مهاجمة الكثير من القيم التنموية والتعلمية والدينية كالتشكيك في المعتقدات والعمل على نشر أفكار ترفضها أيدولوجياتنا كثقافة الاستهلاكية والعنف وإهمال العلاقات الاجتماعية وترتيب الأوليات بشكل خاطئ.

لذلك تستدعي هذه الظاهرة الاستعداد التام لمواجهة ما تعمل على زعزعته، كاستخدام لغتنا العربية الأصيلة والسليمة عبر وسائل الاتصال والإعلام، والتمسك بقيمنا الدينيّة والروحيّة ،وتفسير رسائل مؤسساتنا المرتبطة بمختلف الجوانب التعليميّة والثقافيّة والترفيهيّة بشرط عدم تعارضها مع قيمنا التنمويّة، وكذلك تحليل ونقد ومناقشة رسائلنا الإعلاميّة، والتأكد من عدم احتوائها على قيم تخالف السياسات التنمويّة والجهود التي تهدف إلى حماية الخصوصيّة الثقافيّة.

 

إعداد :رند نصار

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

ادخل الكود * Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.