حين تدخل هذا المكان لأول مرة.. ستشعر بأنك تلج بوابة عالم آخر عبر الزمن.. تخترق أذنك أصوات البائعين والمزادات.. تلمح هنا جهاز راديو قديم.. تحيط به دلال نحاسية.. وعلى الأرض تصطف لوحات سيارات قديمة.. وهناك على حامل كتب تجد نسخاً قديمة من صحف تحمل أخبار مباريات كأس العالم لعام 1998.. حتى الناس هنا مختلفين.. أب مع ابنه يشرح له بعض مقتنيات الماضي وما تعنيه.. أو آخر يتمعن في بعض قطع النقود القديمة.. أو ثالث يبحث بين الكتب.. الناس هنا لا تبحث عن الشراء.. بل عن عبق الماضي.. عن رائحته.. عبر بوابة الزمن هذه.. تعالوا معنا في هذه الرحلة.. عبر سوق الزل في الرياض..

يعتبر سوق الزل في مدينة الرياض أحد المعالم الأصيلة والنادرة للتراث السعودي، حيث يقع بالقرب من قصر الحكم ويعود تاريخه إلى عام 1319 هـ (1901م). ويحيط بالسوق قصر المصمك وشارع الثميري و جامع الإمام تركي بن عبد الله. ويكتسب السوق تميزاً لا يوجد في مكان آخر في مدينة الرياض إذ أنه يعتبر أكبر تجمع لمحلات لبيع الملبوسات الشعبية كالمشالح والفروات والبشوت والأشمغة المطرزة يدوياً والسجاد والتراثيات والأحذية الشعبية والبخور والعطورات الشرقية بجميع أنواعها، كما يوجد فيه حراج مستقل لبيع القطع الأثرية وغيرها.

والحقيقة أن بعض الرحالة الأجانب ذكروا ما قد يشير إلى أن بداية ظهور السوق قد تعود إلى تواريخ سابقة لهذا. حيث تحدث ويليام غيفورد بالغريف Gifford Palgrave أثناء رحلته للرياض في أواخر عام 1279هـ (1862م) عن وجود مخازن تجارية شرقي الجامع الكبير.

ونظرا لأهميته التجارية والتاريخية فقد عمدت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، منذ سنوات بتطويره ضمن مشروع تطوير منطقة قصر الحكم لتصبح المنطقة بأكملها معلما سياحيا عبر برنامج سياحي متكامل على مستوى المدينة، وتم إدراج سوق الزل على الخارطة السياحية.

كما اعتبرت الهيئة العليا للسياحة والآثار السوق إحدى نقاط الجذب السياحي الهامة في مدينة الرياض وعملت على ربطها بالمواقع السياحية الأخرى في العاصمة السعودية، الرياض. وقد هدف المشروع لتحسين السوق ورفع المستوى الحضاري مع الإبقاء على أنشطته التجارية، وإعادة تنظيم البنية التحتية، والقيام بأعمال التبليط، والتظليل والإنارة.

و يعتبر السوق بمثابة متحف تاريخي، وليس لمجرد سوق عادي. هناك شعور غريب بالبساطة والحميمية التي سُلبت في الأسواق الحديثة ذات الواجهات الزجاجية. كل شيء هنا مفتوح ومعروض ببساطة تحادث البائع مباشرة وتتكلم معه.

لكن ما يجعل هذا المكان يتفوق على جمال المتحف، هو أنك تستطيع أن تلمس الأشياء، وتقترب منها وتتفحصها بيدك. لا توجد حواجز ولا طوابير، لا توجد واجهات. هنا تستطيع أن تقترب وتكون جزءً من كل شيء كما هو، وتشعر بروح الأشياء. بكل الأشخاص الذين استخدموها يوماً، ومرت في حياتهم.

اللي ماله ماضي

التقيت بأبو تركي أحد أقدم الباعة في السوق و الذي قال: “اعمل في هذا السوق منذ سنوات طويلة و أحب ممارسة جمع وبيع المقتنيات القديمة كهواية، لكنها أيضاً مصدر رزق”. وذكر أنه يعتز بكل قطعة في محله وقد يضطر للسفر داخل أو خارج المملكة لشراء أحدها أو لحضور مزادٍ ما. وحول مدى الإقبال على السوق ذكر أن هناك إقبالا جيداً اليوم على شراء هذه المقتنيات الأُثرية أكثر من أي وقت مضى خاصة من قبل المواطنين والإخوة الخليجيين، وهذا أمر مفرح لأن “اللي ماله ماضي ماله حاضر”.

أبو سعيد أحد أقدم الباعة في السوق حيث يعمل في السوق منذ أربعين سنة، أجاب عن تاريخ السوق فقال أنه كان يقع سابقا شرق جامع الإمام تركي وتم تغيير مكانه قبل أربعين سنة. وذكر أن السوق كان قلب المدينة النابض وتمت تسميته بسوق الزل لأنه كان يرتكز في بداياته على بيع السجاد بأنواعه المختلفة مابين الإيراني وهو أجود الأنواع والتركي والأفغاني والمحلي.

وأما عن كيفية حصوله على القطع الأثرية فقد ذكر أنه يتواصل مع المهتمين ويعرف أماكن المزادات وأوقاتها وتاريخها وقد يضطر للسفر في الداخل او الخارج لحضور بعض المزادات لقطع مهمة.

روح السوق:

الأمر الملفت هو أن كل البضائع معروضة ببساطة على الأرض دون حماية أو حراسة. الجميع يعرض بضاعته على الأرض، ويسير مبتعداً ببساطة وبثقة تامة.

والبائعون هنا رجال كبار في السن، قد تلحظ ابنه يجلس بجانبه أو أخيه. هناك شيء ما في المكان. علاقات حميمة بين البائعين، كل بائع يعرف الآخر، يناديه ويمازحه. وكأنك في شوارع حارة قديمة يعرف أفرادها بعضهم البعض. حتى العمال الأجانب هنا يتحدثون بلهجة محلية متقنة، ويتحدث معهم البائعون بنفس اللهجة، يعرفون تفاصيل وأسماء المقتنيات القديمة ويشرحون عملها بخبرة اكتسبوها من كبار السن.

المقتنيات في سوق الزل معروضة بشكل بسيط جداً. قد تشعر بأنها “مكركبة” ومرمية بإهمال على الأرض أو على مفرش بسيط. لكن هناك شيء من جمال في ذلك، شيء خارج عن المألوف. قد تجد قطع نقود في علبة حليب مجفف، أو علبة بسكوت بدى على أطرافها بعض الصدأ، أو تجد لوحات سيارات قديمة مصفوفة على الأرض الإسفلتية، لوهلة قد تشعر بأنه إهمال، لكن حين تتأمل ستجد أن كل شيء محفوظ مرتب لكن بطريقة بسيطة.

في الشوارع الضيقة وبين المحلات الصغيرة، يمكن بسهولة أن تجد برادة ماء صغيرة (سبيل)، حيث يمكن لأي شخص أن يروي عطشه مجاناً. هذا المفهوم الذي افتقدناه في عالم الأسواق الحديثة التي اعتدنا فيها على آلات بيع قوارير المياه.

في ركنٍ ما تجد حاملاً لصحف قديمة بأغلفة بلاستيكية. تحمل أحدها عنواناً لزيارة الملك فهد (رحمه الله) لأمريكا أو انتصار المقاومة في لبنان. خلفها إطار يحمل صورة للاعبي منتخب المملكة في كأس العالم عام 1998م. تقف أمامها. تقرأ الأخبار وتشعر فجأة بأنك تعود لذلك الزمن.. لتلك الأخبار ولكل المشاعر التي كانت تثيرها لكل من قرأ.

وعلى الرصيف تتناثر كتب من مناهج دراسية قديمة قد تكون والدتي درست أحدها يوماً. كراسة خط، أو إملاء، ونسخة من مجلة العرب، أو مجلة رياضية بصورة ماجد عبدالله أو منهج التفسير الميسر.

سنا طلال

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

ادخل الكود * Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.