عام وراء عام، بدأ عزوف بعض النساء عن الزواج يبدو واضحاُ ، فلم يعد الوضع كالسابق حين كان الزواج أمرًا أساسيًا في حياة الفتاة، فالمرأة في عصرنا الحالي بدأت تخلق لنفسها اكتفاءاً ذاتياً والذي في بعض الأحيان يغنيها عن الزواج. فهل تحول عزوف المرأة عن الزواج إلى مشكلة أو ظاهرة ينبغي إيجاد حلول لها أم أنه أصبح طريقًا للاستمرار في حياة – حسب رؤية المرأة – مفعمة بالطمأنينة؟

أمر إيجابي

تنظر تهاني محمد للعزوف عن الزواج باعتباره أمرًا إيجابيًا وتقول بأن هناك العديد من الأسباب التي تجعلها ترفض الزواج، وأول هذه الأسباب هو حرصها على استقلاليتها، إضافةً إلى أنها لا ترغب بالتدخلات الخارجية في حياتها أو الضغوط العاطفية، كما ترى أن أنظمة المجتمع إضافةً لأنظمة القانون تحد من حرية المرأة  المتزوجة وفي حال كان تفكير الزوج منغلق ستتضرر حياة الفتاة المهنية والاجتماعية.

وظيفتي تأتي أولًا

بالنسبة لنورة عبدالعزيز فإنها ترى أنه في الوقت الحاضر أصبحت النساء تمتلك فرص وظيفية أفضل وأصبحن أكثر استقلاليةً وأقل حاجة للزواج، كما أنها في حال ارتبطت بزوج غير جيد فقد يمنعها من الاستمرار في وظيفتها وقد يحاول التحكم بتحركاتها ولذلك فإن صرف النظر عن الزواج بالنسبة لنورة يجنبها الخوض في كثير من المشكلات.

وترى سمر عبد العزيز  أن خوف المرأة على حريتها سبب وجيه للعزوف عن الزواج خاصة فيما يتعلق بالجانب المهني، فالزوج قد يمنعها من الالتحاق ببعض الوظائف التي تناسب مجال دراستها ويزيد الرفض إن كان مكان العمل مختلطًا. بينما ترى ريما علي أن الزوج سيحرمها من أبسط الأمور كالخروج من أجل الترفيه وكذلك فإنه سيجعلها تعيش في قلق وستكثر المشاكل الزوجية.

إعالة أسرتي أهم

أما بالنسبة لمها سالم فأشارت بأن لديها أسبابًا خاصة بها، فهي ترغب بالاستمرار بالبقاء مع عائلتها وأن تساعد أبيها وأخيها في إعالة بقية أفراد الأسرة. وأيدتها عدد من الفتيات.

وماذا عن الآثار السلبية ؟

فيما ترى ريما علي أن حياة الفتاة ستتأثر من إحدى الجوانب عندما ترفض الزواج، فالناس لن يكفوا عن الحديث عنها بسوء تنفي ذلك مها سالم مؤكدة أن العزوف عن الزواج لا يشكل مشكلة في حياة الفتاة خاصة إن كانت الحالة المادية لأسرتها جيدة بينما ترى روان أحمد أن العزوف عن الزواج له تأثير إيجابي فهو يجعلها تشعر بأنها أكثر استقلالية.

من واقع تجارب أمهات وزوجات 

وتقول ريم عبد الله (أم لثلاث فتيات):” من أبرز أسباب عزوف الفتيات عن الزواج في العصر الحاضر هو عدم استعدادهن لتحمل المسؤوليات التابعة للزواج، إضافة إلى الخوف من تبعات الزواج كالمشاكل أو الخيانة الزوجية “، وتؤيدها  زينب محمد (أم لخمسة أبناء) حيث ترى أن أبرز سبب لعزوف المرأة عن الزواج هو خوفها من المسؤولية، وقد يكون أيضًا بسبب محاولات الزوج أن يسيطر على زوجته؛ كأن لا يسمح لها بالخروج إلا بإذنه أو أن يرفض عملها أو في بعض الأحيان حتى خروجها دون سبب مقنع له.

وترى كوثر عبد العزيز (أم لأربع فتيات) أن بعض الرجال تسيطر عليهم الأفكار التقليدية التي تنص على أن المرأة ينبغي عليها أن تبقى في المنزل، لكي ترعى الأبناء وتعتني بشؤون المنزل بينما في الحقيقة يحق للمرأة أن تكمل دراستها أو أن تعمل أو حتى أن تخرج من المنزل لقضاء وقت ممتع.

وبالنسبة لسارة محمد (أم لثلاثة أبناء) فإنها تشعر أن الرجل دائمًا يسيطر على حرية المرأة ويكون محور حياتها ويعتبر أن له الحق في ذلك، ولهذا ففي بعض الأحيان يكون العزوف عن الزواج حلًا فعالًا للابتعاد عن “سارقي” الحرية كما أنها تؤمن بأنه ليس بالضرورة هناك آثار سلبية لعزوف المرأة عن الزواج بل قد يجمل شيء من الطمأنينة لها!

جهل في مفهوم الزواج

ومن ناحية اجتماعية فقد علقت د. الهنوف الحقيل (مستشارة أسرية) على أسباب العزوف عن الزواج، فقالت:” هناك فجوة بين الرجال والنساء، هذه الفجوة هي عبارة عن الفارق الفكري، فالمرأة في الوقت الحاضر قد تطورت وهي تحاول مواكبة العصر الحاضر بينما أخذت صورة ذهنية عن الرجل تتمثل في أنه سيقيدها ويكبلها، بالإضافة لذلك فإنه لا يوجد وعي بمفهوم الزواج وتوزيع الأدوار، فالمرأة أصبحت تقوم بدورها وتحاول القيام بدور الرجل بينما هذا لا يتناسب سيكولوجيًا مع الرجل، فالرجل مهيأ من الله لأن يقوم بأدوار معينة وأن يملك السلطة في بعض الأمور لكن المرأة لم تعد تتقبل توجيه الرجل، ولم تعد تعرف كيفية التعامل مع الاختلافات البيولوجية والفيسيولوجية بينها وبين الرجل، كم أن هناك جهل في المفهوم الزواجي أي أن كلا الطرفين لا يعرفان ما هو مطلوب منهما إضافةً لذلك فإن العديد من الأسر أعطت صلاحيات مطلقة لبناتها، جعلت الفتاة تمتلك مسؤوليات كبيرة وموقع جيد داخل أسرتها، فاكتفت بدورها داخل الأسرة ولم تعد ترى بأن الزواج يضيف لها شيئًا”، مضيفة إلى أن هناك سببًا آخرًا وهو أن هناك العديد من الرجال الذين أصبحوا يريدون من المرأة أن تقوم بكافة الأدوار، المادية وغيرها.

وبالنسبة لتأثير التنشئة الاجتماعية على الرغبة بالزواج تقول د. الحقيل:” للتنشئة الاجتماعية أثر كبير جدًا، فالفتى والفتاة يرسمان مفهومهما عن الزواج والعلاقة الزوجية بناءً على ما رأوه من والديهم، وإن كانت العلاقة مشوهة، فسينعكس هذا على الأبناء، فإن رأت الفتاة أن والدها قاسٍ على والدتها فستنفر وتخاف من الذكور”.

ولذلك تنصح د. الحقيل بأن لا تظهر المشاكل بين الأب والأم أمام الأبناء، فعندما يشهد الأبناء هذه المشاكل في العلاقة فإن سلوكياتهم وحياتهم ستتأثر، وكذلك مفهومهم عن الزواج وسيبدؤون بالتخوف من فكرة الزواج.

تأثر المجتمع بالعزوف عن لازواج  

أما فيما يتعلق بتأثير العزوف عن الزواج على المجتمع تجيب د. الهنوف الحقيل قائلة :” من الطبيعي أن يؤثر العزوف عن الزواج على المجتمع، فالسنة الكونية والسنة الإلهية تشير إلى أن الزواج يشبع احتياجات نفسية أو جنسية أو عاطفية فإن لم يجد هذا الإشباع فسيتأثر بشكل سلبي من حيث السلوكيات، وهذا في حالة الاستمرار بالعزوف عن الزواج، وفي حال أن احتاج الفرد لأن يشبع احتياجًا معينًا سواء كان جنسي أو عاطفي فإنه سيبدأ بالبحث عن طريقة لإشباع احتياجه إما بطريقة مباحة أو محرمة، وكذلك بالنسبة للاحتياجات المالية فالزواج داعم مالي لكون الطرفان يسعون للتأمين المالي، فبالانصراف عن الزواج قد يبحث الفرد عن طريقة لتحصيل المال لكنها تسبب له إنهاكًا، فمن خلال الزواج يتم إشباع العديد من الاحتياجات سواء كانت مادية أو اجتماعية أو نفسية أو عاطفية أو سلوكية تربوية”.

الخوف من المجهول والخوف من الطلاق 

ويشير د. علي المديهش (أخصائي نفسي) لتعدد أسباب عزوف الفتيات عن الزواج من الناحية النفسية فيقول:” تتعدد الأسباب النفسية من شخص لآخر، ومن هذه الأسباب: الخوف من المجهول، فالخوض في تجربة جديدة بشكل عام يجعل الشخص في قلق مما سيواجه فكيف إذا تحدثنا عن شريك حياة يشارك جميع تفاصيل حياتك بالإضافة إلى قلق الانفصال، أي: الخوف من الانفصال عن حياة الفرد قبل الزواج ويتعلق ذلك بالأهل والمنزل والأصدقاء وأيضاً الخصوصية في الحياة اليومية، ومن الأسباب أيضًا الخوف من الفشل ، ويترتب ذلك على ما يتم تناقله بين الناس ووجود أشخاص بحياة الفتاة الرافضة للزواج كانت لهم تجارب فاشلة كما لا نغفل النسب العالية للطلاق في المملكة التي ربما تجعل الشخص لا يفكر في خوض تجربه فاشلة”.

ويقول د. زهير خشيم (أخصائي نفسي ومستشار علاقات أسرية):” أحد الأسباب هو الخوف من الطلاق، فمع كثرة حالات الطلاق التي تجري من حولهن تصبح بعض الفتيات خائفات من الزواج، كما أنه في وقتنا الحاضر أصبح للفتاة حرية أكبر فأصبح مثلًا بإمكانها القيادة كما أتيحت أمامها فرص عمل أكثر، فلم تعد محتاجة لرجل تعتمد عليه”.

ويؤكد د. علي المديهش على وجود تأثير لاستقلالية المرأة على الرغبة في الزواج فيقول:” عندما يكون القرار بيدها بتحديد الزمان واختيار المواصفات التي تريدها وعدم وجود أشخاص ملحين عليها يؤثر ذلك على رغبتها ولا يمكن الجزم هل التأثير إيجابي أو سلبي”، كما يشير د. زهير إلى العلاقة بين استقلال المرأة وعزوفها عن الزواج قائلًا:” لم تعد المرأة بحاجة رجل تعتمد عليه، ففي السابق كان مجتمعنا قائمًا على الاعتماد على الرجل، فالفتاة تعتمد على أبيها والزوجة تعتمد على زوجها، أما حاليًا فبسبب الانطلاقة التي جرت في المجتمع والتي تضمنت السماح بقيادة المرأة كمثل أصبحت هناك حرية كبيرة، وكذلك وفرة الوظائف وارتفاع الرواتب، فأصبحت المرأة تتساءل لماذا تتزوج ولماذا تقيد حريتها بسبب الزواج”.

ماذا عن الشعور بالوحدة ؟ 

وفيما يتعلق بالتأثيرات النفسية على المرأة إزاء رفضها للزواج يقول د. علي المديهش:” تعتمد التأثيرات النفسية على سبب العزوف عن الزواج، فعلى سبيل المثال لو كان السبب عدم وجود الشريك المناسب أو رفض الأهل فإن ذلك يتسبب بإحباط الفتاة، أما لو كان السبب وجود أولويات للفتاة تسعى لتحقيقها قبل الزواج فربما يتسبب ذلك بحالة من القلق والسباق مع الوقت ليتم تحقيقها حتى يتسنى لها الزواج”، كما وضح د. زهير خشيم هذه التأثيرات قائلًا:” يؤثر العزوف عن الزواج على نفسية المرأة، فترى في بعض الأحيان أنها وحيدة لا تملك سندًا تستند عليه لكن حين تنظر لاستقلاليتها ترى أنها مستقلة بشكل جيد، أما في أوقات كالليل تبدأ بالشعور بالوحدة والرغبة في العاطفة، وعندما ترى متزوجين يعيشون زواجًا سعيدًا تنظر لهم بإيجابية، أما حين تسمع عن المطلقين وترى من حولها قد تطلقوا وتسمع بارتفاع نسب الطلاق، فإنها تظن بأن حالها جيدة، وما إن يأتي الليل حتى تبدأ بعيش شعور الوحدة من جديد”.

وفي النهاية تتفاوت آراء الفتيات حول كون عزوف المرأة عن الزواج مشكلة أم أنه مجرد قناعة فيها طمأنينة، وخيار من الخيارات، فهناك من ترى أن عزوف المرأة عن الزواج مشكلة تتطلب حلًا لكونها تضر بالمجتمع وهناك من ترى العكس وأن العزوف عن الزواج مدعاة للراحة والسلام الداخلي، وتقول إيمان سعد – فتاة ترفض الزواج – : “إن كانت الفتاة مقتنعة بفكرة العزوف وقادرة على العيش دون زواج فلا توجد مشكلة”.

 

 

تحقيق: العنود الغريبي

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني