يوافق اليوم 13 من شهر مارس ذكرى ميلاد موسيقار الأجيال الذي أخذ على عاتقه تطوير الأغنية العربية وتطعيمها بألحان جديدة، في ذكرى صاحب اللمسات الخالدة الفنان والمطرب والممثل محمد عبدالوهاب تستعرض معكم روج محطات من حياته ولمساته في ذكريات الشارع السعودي.

من هو محمد عبد الوهاب؟
ولد محمد عبد الوهاب في 13 مارس 1907 في القاهرة في حي باب الشعرية. بدأ الغناء في سن مبكرة حيث كان مؤدي في مسرح محلي عندما كان عمرة سبعة سنوات. وفي عام 1914، بدأ عبد الوهاب العمل كمطرب حيث سمعه صاحب إحدى الفرق وقرر تقديمه للجمهور رغم صغر سنه، وعلق على باب المسرح إعلانا واصفا محمد عبدالوهاب بالطفل الأعجوبة الذي يغنى لسلامة حجازي.
بينما كان محمد عبد الوهاب يغنى بين فصول الروايات في فرقة عبد الرحمن رشدي المحامي، شاهده أمير الشعراء أحمد شوقي في إحدى الليالي يغنى فأشفق عليه واستنكر أن يحترف العمل في هذه السن الصغيرة، واعترض لدى صاحب الفرقة، لكنه لم ينجح في تثبيط عزيمته. انزعج عبد الوهاب لهذا الموقف كثيرًا وظل يخشى الظهور أمام شوقي، ولم يسمعه شوقي يغنى ثانيةً إلا بعد عشر سنوات.

كان عبد الوهاب قد أضاف إلى رصيده الفني من الغناء القديم من أدوار عبده الحامولي وقصائد سلامة حجازي وغيرهم ما حفظه من أدوار وأغاني سيد درويش، وساقت به الأقدار إلى لقاء سيد درويش بالصدفة حيث تعرف إليه ثم أسند إليه دور البطولة الغنائية في أوبريت شهرزاد وهو مازال في السابعة عشرة من عمره، فاقترب محمد عبد الوهاب أكثر من سيد درويش وتعلم منه الكثير.

وفي 1923، التحق عبد الوهاب بنادي الموسيقى الشرقي، فالتقى هناك بمحمد القصبجي، أستاذ الموسيقى الشرقية وآلة العود، حيث تعلم على يديه العزف على العود وأصول المقامات، ثم درس بعض اصول الموسيقى الغربية والتدوين الموسيقى بمعهد جويدين الإيطالي بالقاهرة.

اللقاء الثاني بأمير الشعراء

في 1924، التقى محمد عبد الوهاب بفرصة عمره، حيث التقى بأمير الشعراء أحمد شوقي مرةً أخرى والذي كان نقطة تحولٍ في حياته. استمع أحمد شوقي إلى غنائه في حفلٍ على مسرح سان استفانو بالإسكندرية وكان عبد الوهاب في العشرين من عمره. لم يكن باستطاعة شوقي أن يضيف شيئًا لموهبة عبد الوهاب، لكنه أضاف أشياء في حياته كان من شأنها صقل تلك الموهبة وتسليحها بالدراسة والثقافة، فقد قرر أن يتبناه فنيًا واهتم بإكمال تعليمه ليس فقط للغة العربية والشعر، وإنما الموسيقى الغربية أيضًا والثقافة العامة، في عام 1924، قدم أحمد شوقي عبد الوهاب لأصدقائه الأثرياء وأصبح فنانًا مشهورًا في حفلات الطبقة العُليا. كما كانت ألحان عبد الوهاب، مع كلمات شوقي شعبيةً للغاية بين جميع فئات الناس. بدأ شوقي يكلف عبد الوهاب بوضع ألحانٍ لقصائده وغنائها، وكان شوقي يريد لقصائده الانتشار وكان صوت محمد عبد الوهاب هو الجهاز الإعلامي الذي اختاره لتلك المهمة، كانت أول أغنيةٍ لشوقي يغنيها محمد عبد الوهاب من ألحانه أغنيةً كتبها بالعامية وهي “شبكتي قلبي ياعيني”، ثم بقصيدة يا جارة الوادي بدأ المجتمع الراقى يتعرف على عبد الوهاب، ولكي يصقله أكثر، قرر أحمد شوقي اصطحاب الفنان الناشئ إلى باريس عاصمة الفن، وهناك استمع إلى الموسيقى الباريسية والأوربية مما ساهم في اتساع مداركه الفنية لتستوعب فنون الشرق والغرب.

واستمر شوقي في رعاية محمد عبد الوهاب وتقديمه إلى صفوة المجتمع من المثقفين وأصحاب النفوذ وقدم له أشعاره وشجعه على تلحينها إلى أن توفي عام 1932.

دخوله عالم السينما

دخل عبد الوهاب عالم السينما بأول فيلم غنائي له (الوردة البيضاء) وعمره 29 عاما، وأتبع هذا الفيلم بخمسة أفلام أخرى، قام ببطولتها تمثيلاً وغناءً كان آخرها عام 1947 وعمره 43 عامًا، ثم اشترك بالغناء فقط في فيلمين أحدهما هو غزل البنات مع ليلى مراد ونجيب الريحاني عام 1949، والآخر كان فيلم منتهى الفرح عام 1963.

احتوت تلك الأفلام على عشرات من أجمل أغاني عبد الوهاب، وتميزت بالبساطة والتحديث، وقد أدخل إلى أفلامه طابع الحياة الغربية واستخدم إيقاعاتٍ أوربية مثل التانجو والسامبا والرومبا وحتى الفالس.

ولا شك أن دخول عبد الوهاب ميدان السينما قد أسهم كثيرًا في صنع مجده الفني، وما زالت مقاطع أغانيه في الأفلام تذاع لليوم في كثيرٍ من محطات الراديو والتليفزيون العربية والقنوات الفضائية، كما كان واحدًا من الممثلين المصرين القليلين الذين انتقلوا من الأفلام الصامتة إلى تأدية أدوارٍ غنائية ناطقة.

عبد الوهاب وأم كلثوم

عام 1964، التقى محمد عبد الوهاب وأم كلثوم في أول عمل فني مشترك يحمل اسم إنتَ عمري، وانتهت بذلك عقود طويلة من المنافسة بينهما، وبدأت مرحلة جديدة من إبداعات عبد الوهاب الموسيقية استمرت عشر سنوات.

لم يكن اللقاء لا عفويا ولا مخططا له، ورغم أن هذا اللقاء الذي وصف بـ”لقاء السحاب” إلا أنه كان متأخراً، ومثلما تناقلت بعض وسائل الإعلام بأنه جاء بطلب من الرئيس جمال عبدالناصر إلا أن النجاح كان مغرياً للاثنين لمواصلة العمل سوياً وقدما 10 أغنيات في 9 أعوام كان آخرها “ليلة حب” عام 1973 وهي من آخر الأغنيات في مسيرة كوكب الشرق. لم يكن في ذهن أحد أن تلتقي القمتان بعد هذه السنين من الفراق، حيث كان لافتراق عبد الوهاب وأم كلثوم أسبابٌ كثيرة تندرج جميعها تحت عنوان المنافسة، ومن الناحية الفنية لم يكن هناك مانع فنى حقيقي، فكلاهما يعترف بالآخر على قمته.

في تحليل ذلك الموقف يقول موسيقار الإسكندرية محمد عفيفي، وكان صديقًا لمحمد عبد الوهاب وقام بتلحين بعض الأغاني التي لم تسجل لأم كلثوم: “كان عبد الوهاب يخشى صوت أم كلثوم وكانت أم كلثوم تخشى ألحان عبد الوهاب، هكذا بدت الصورة التي استمرت عشرات السنين، لم يكن هناك أي شك في نجاح عمل يتمه الاثنان معا، لكن الملحن يخشى أن ينسب نجاح اللحن لصوت المطربة الكبيرة، وتخشى هي أن تغطي موسيقى الملحن الكبير على صوتها، وهكذا دار الاثنان في حلقة مفرغة”.

اعتزال محمد عبدالوهاب

كان ذلك أوائل ستينات القرن الماضي عندما استقر رأي محمد عبد الوهاب على اعتزال الغناء والتفرغ كليا للموسيقى والتلحين للعديد من الأصوات التي وجدت في موسيقاه وألحانه حياة تامة من المجد الفني والخلود الموسيقي.

من غير ليه!

ومن غير ليه وبعد بعد 25 سنة من الاعتزال عاد محمد عبد الوهاب ليثبت قدرة الموسيقى العربية على العيش والتطور والتجدد مع المحافظة على الجودة والذوق الرفيع.

لُحنت أغنية “من غير ليه” خلال سنة كاملة من عام 1975 وحتى 1976من قبل محمد عبد الوهاب للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ وكان يرغب في تقديمها في حفلات الربيع وبدأ في حفظها والتمرن عليها، لكن المرض هاجمه ولم يهبه القدر الوقت ليقوم بذلك وتوفي قبل تسجيلها.

بعد رحيل عبد الحليم حافظ تهافت الكثير على الأغنية ليفوزوا بها مثل وردة الجزائرية وهاني شاكر لكن محمد عبد الوهاب رفض لأنه لم يجد بعد العندليب صوتا جديرا بأدائها وبقيت سنوات طويلة في أحد أدراج مكتبه إلى أن قرر إصدارها بصوته في 1990.


وفاة محمد عبد الوهاب
توفي محمد عبد الوهاب في 4 مايو، 1991 إثر وعكة صحية ألمت به، وكان قد أصيب وقتها بجلطة دماغية إثر سقوط حاد تعرض له على أرضية منزله بعد أن تعرض للانزلاق المفاجئ، وكان قد أصدر الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك أمرا بتشييع جثمان الموسيقار في اليوم الخامس من شهر مايو.

محمد عبدالوهاب في ذكريات السعوديين

أثناء زيارة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه التاريخية مصر في عام 1946 قام محمد عبدالوهاب بتلحين أغنية ترحيبية من كلمات صالح جودت باسم يا رفيع التاج تقول في كلماتها:

يا رفيعَ التاجِ مِنْ آلِ سعود *** يومنا أجملُ أيامِ الوجود

مَوكبُ الخَيرِ مِنَ البيتِ العتيد *** جاءَ يختالُ على النيل السعيد

فصحتْ مصرُ معَ الفجرِ الجميلِ *** تنثرُ الوردَ علَى كلِّ سبيلِ

وهيَ تستقبلُ أنوارَ الخليلِ *** ورسولَ الخَيرِ مِنْ عندِ الرسولِ

فإذا الفاروقُ موفورُ الشبابِ *** راحَ يستقبلُ بالْبِشْرِ أخاه

أنتما عرشانِ في ظلِّ الكتابِ *** جمعتْ قلبَيهما روحُ الإله

التحيَّةُ لمَنْ حجَّ إلَينا *** وهوَ مَنْ حجَّتْ لواديهِ الشعوب

تاجُهُ المُطْلَعُ كالشَّمسِ علَينا *** صيغَ مِنْ أكرمِ حبّاتِ القلوب

أنتَ والفاروقُ للشَّرقِ مُنَى *** وعلَى كفَّيكُما أحلامُنا

فأقيما الدينَ والدنيا لنا *** واكتبا عهدًا مِنَ الخَيرِ هُنا

واعْقِداها وَحدةً للعربِ *** واجْعلا بُنيانها بَيتًا حراما

كُلَّما طافَ بها ذِكرُ النبي *** نزلتْ في الشرقِ بردًا وسلاما

موسيقى الخيام
أو في زوايا ذاكرتنا موسيقى التلفزيون السعودي تحديدا فاصل ما قبل نشرة الأخبار.

 

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

ادخل الكود * Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.