المطبخ!! ذلك المكان العجيب الذي جمع التناقضات، هو ذلك المكان الظاهر الواضح ولكنه يخفي سر ألذ الطبخات، هو المكان الأبعد في البيت بسبب روائح الطبخ وهو نفسه الأقرب إلى القلب بسبب تلك الروائح الشهية، يدخله من هو ماهر في الطهي وغير الماهر، ولا عنصرية فيه بين الرجل والمرأة، فالمنتصر هو الذي يُخرج أشهى طبق، هو المكان الذي جمع كل أنواع الفنون البصرية والحسية، فالأطباق أصبحت لوحًا فنية تطبق المثل القائل: “العين تأكل قبل الفم”..

وبسبب وسائل التواصل الاجتماعي تنوعت الوصفات، وقرُبت إلينا أطعمة ربما لم نزر بلدانها قط، وعرفنا أسرار اللذة وفنون الخلطة لم نكن نعرفها مقبل، فأعنتنا عن اقتناء كتب الطبخ المبهجة في ألوانها، والممتعة في وصفاتها، والمبدعة في أفكارها، والغالية أيضًا في ثمنها! وقد جاء زمنٌ أصبح فيها ثمن كتب الطبخ أعلى من كتب العلم والمراجع!! بل إن هناك خبرًا من وكالة واس عن معرض الرياض الدولي للكتاب عام 2017م بأن كتب الطبخ الخليجية والعالمية شهدت طلبًا لافتًا من زائرات المعرض في ذلك الحين. وقد أثار هذا الخبر استياء البعض واتهم الإقبال على هذه الكتب في ذلك الوقت بالتفاهة وتحسف على انحدار الثقافة وأن كتب الطبخ أصبحت تؤلف بسبب “رفالة” بعض النساء في حين أن هذا الرأي غير صائب البتة، فكتب الطبخ كانت تُؤلف منذ مئات السنين ولا علاقة لها بانحدار الثقافة أو كما قيل “الرفالة”..

فها هو “كتاب الطبيخ” الذي أُلف في عصر الدولة العباسية منذ ألف سنة ويُعتبر مرجعًا في الوصفات العربية المندثرة، وكما هو معروف بأن أوج العلم والثقافة والرفاهية وانفتاح الثقافات على بعضها كانت في هذا العصر الميمون، والطريف أن الذي ألّف الكتاب رجلٌ اسمه محمد بن حسن البغدادي، جمع فيه المؤلف أطايب الوصفات المشهورة آنذاك في عصره وطريقة طهيها وتقديمها مما يدل على حضور المطبخ ودوره الفعّال في تخريج ما لذّ وطاب من فنون الأطباق وإن تقادمت العصور والأزمان!

ولكن مهلاً، فمن أراد اقتناء الكتاب وتطبيق وصفاته فعليه أن يكون ضليعًا في اللغة العربية أو أن يقتني معه معجمًا لفهم المصطلحات، فمثلاً يذكر المؤلف في طريقة إعداد طبخة “الدينارية” بعض المقادير التي تغيرت أسماؤها في العصر الحديث مثل:

“كسفرة” التي يُقصد بها أغلب الظن “كزبرة”. وأيضًا “دارصيني” المعروف بالقرفة وفي بعض البلدان يسمونها دارسين، كما ويذكر “الأبازير” وهي البهارات المشكلة الحارة كالكمون والفلفل الأسود وغيرها وتستخدم في طهي اللحوم. كما وذكر المؤلف “الشيرج” وهو زيت السمسم، وأخيرًا وليس آخرًا “المصطكى” المعروف الآن بالـمستكة، و هنيئًا لمن اقتنى الكتاب.

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني