لا تستطيع معظم الدول الفقيرة سداد المساعدات والقروض التي قدمتها لها الصين بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19). والسؤال المطروح هنا لماذا لا ترفض كل هذه الدول، ومعظمها من الدول النامية والمتخلفة، إعادة جميع القروض والمساعدات التي قدمتها لهم الصين بهدف خلق ديون، كجزء من مبادرة الحزام والطريق (BRI) أو غير ذلك؟  يكفينا أن نلقي نظرة خاطفة على جنوب آسيا نفسها سنرى كيف تحاول الصين التحكم في هذه الدول باستخدام “دبلوماسية الديون”، سواء كانت بنغلاديش أو باكستان أو جزر المالديف أو عدة دول أخرى في أفريقيا، فقد استخدمت الصين المساعدات كأداة للاستعمار الجديد.

وقد ذكر تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز أن “العديد من الطلبات ذهبت إلى بكين من قيرغيزستان وسريلانكا والعديد من الدول الإفريقية، بشأن إعادة هيكلة الديون أو تأخير السداد أو عدم المطالبة بمليارات الدولارات من القروض المستحقة لهذا العام”. لقد حان الوقت ليجتمع العالم ويطلب من الصين التراجع عن مطالبة إعادة جميع الأموال التي تدين بها البلدان بشكل فردي لبكين، ويُظهر مسح لخريطة العالم أن العديد من البلدان قد اتصلت بالفعل ببكين لطلب تأجيل سداد قروضها أو إعفائها منهم.

وقد اتصل وزير الخارجية الباكستاني مؤخراً ببكين بخصوص مطلب عاجل، حيث كانت الرسالة أن الاقتصاد الباكستاني يواجه صعوبات، وأن الحكومة بحاجة إلى إعادة هيكلة مليارات الدولارات من القروض الصينية. ووفقًا لتقرير في صحيفة نيويورك تايمز (18 مايو 2020) فقد تلقت الصين طلبات مماثلة من العديد من البلدان، مما يدل بوضوح على أن جهود الصين لتصبح ممول الدول النامية في تراجع.

وبما أن جائحة فيروس كورونا قد أثرت بشكل خطير على الاقتصاد العالمي ، فإن البلدان المديونة بشكل كبير للصين ، قد أخبرت بكين أنها لا تستطيع سداد الأموال مما يؤثر على الصين  بشكل مباشر وغير مباشر: إن إعادة هيكلة القروض أو الإعفاء من سدادها من شأنها أن تجهد النظام المالي الصيني و تؤثر على الاقتصاد المحلي ، الذي يعاني بالفعل من التباطؤ، وعلى الرغم من الثروة المتنامية للصين ، إلا أن دخل الفرد فيها لا يزال أقل من ربع دخل السكان في الدول المتقدمة، و قد تأثر اقتصادها أيضا بسبب تفشي المرض ، مما أدى إلى تقلصه لأول مرة منذ عهد زعيم الصين ماو.

و في الوقت الحالي، فإن الصين لا تُظهر تقدمًا في النواحي السياسية ، وموقفها العدواني من الناحية الدبلوماسية والعسكرية هو انعكاس للضغوط التي تواجهها، و يبدوا أن الأولوية بالنسبة للصين أنه إذا قامت بمحاولة إسترداد هذه القروض ، فإن الشيء الوحيد الذي يمكنها فعله هو الاستحواذ على الأصول الاستراتيجية في البلدان التي لا يمكنها حتى إطعام شعبها، وقد هاجم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الشهر الماضي الصين ، مدعيا أن الحزب الشيوعي الصيني يشكل خطرا على الولايات المتحدة والديمقراطية العالمية، وأضاف أن بكين كانت “تُظهر ردود أفعال” لإلهاء ما يقول إنه تعامل الصين الضعيف مع جائحة كوفيد 19.

وبالتالي، فإن سمعة الصين العالمية على المحك، وأصبحت الدول تتساءل علانية عن دورها، بعد أن قللت السلطات في البداية من حدة المرض ودرجة إصابة الناس به في يناير 2020. وبالنسبة للصين، فإن المخاطر المالية هائلة، ويشير أحد التقييمات إلى أن قيمة قروض الصين للعالم النامي تبلغ حوالي 520 مليار دولار، مما يجعلها مقرضًا أكبر من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي.

وبخصوص مبادرة الحزام والطريق، فإن برامج الرئيس شي البالغة قيمتها 1 تريليون دولار لتمويل مشاريع البنية التحتية في جميع أنحاء العالم، قد جعلت الصين تقدم قروضًا وصلت إلى 350 مليار دولار أمريكي للبلدان، نصفهم تقريبًا من المدينين ذوي المخاطر المالية. ومع ذلك، وحين أن الصين لا تستطيع تحمل البدء في الإعفاء الجماعي لهذه الديون، إلا أنها أظهرت استعدادًا للتفاوض. ففي أبريل 2020، أعلنت حكومة قيرغيزستان أن الصين وافقت على إعادة جدولة 1.7 مليار دولار من الديون. وبالمثل، طلبت سريلانكا من جميع المقرضين إعادة هيكلة قروضها. وفي غضون ذلك، قام بنك التنمية الصيني بعمل خط ائتمان بقيمة 700 مليون دولار لمساعدة سريلانكا على تكييف الأوضاع، مع خفض سعر الفائدة، وتأخير الجدول الزمني للسداد لمدة عامين.

وفي نهاية المطاف، إذا أظهرت الصين صعوبة في مفاوضات إسترداد الديون، يمكن للدول المدينة أن تتكاتف معًا وتحاول تشكيل جبهة موحدة، حيث يمكنهم الكشف عن طبيعة قروضهم من الصين وشروطها وأحكامها، لخلق تركيز أكثر على المشكلة، كما يمكن للدول الأخرى أن تعدل شروط تقديم القروض، مما قد يجبر الصين على تغيير طرقها أو تخفيف شروطها. ومن المأمول فيه أن يكون ذلك له دور في فتح جبهة أخرى في الحرب على الصين في الأسابيع والأيام القادمة.

 

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني