“زوجة الأب” ..صورتها العادات و التقاليد و وسائل الإعلام على أنها أكثر النساء قسوة و أنانية في تصرفاتها مع أبناء زوجها، تضربهم و تعنفهم بأبشع الكلمات، و تسخرهم لخدمتها، ولكن هل هذه الصورة البشعة واقعية تجعلنا نعمم على زوجة الأب فكرة أنها ظالمة وقاسية، دون أن ندرك أنها قد قد تكون مظلومة أحياناً أو قد تمر بضغوط نفسية و مجتمعية صعبة جداً كونها وضعت في دور صعب لا يُبدي الجانب الإيجابي.

روج” تستعرض بعض الآراء حول المواقف المختلفة لزوجات الإباء و الأبناء، و التي تتراوح ما بين القسوة و الاحتواء و الحنان و كيف تجاوز البعض النظرة السلبية التي رسمها عنها المجتمع و تمكنّ من خلق جو أسري حميمي.

الأم المثالية:

هناك قصص واقعية أعطت زوجة الأب مكان “الأم المثالية”، مثل: قصة السيدة فاطمة علي، التي قالت: أن تجربتها ناجحة جداً مع أبناء زوجها الأربعة، حيث إنها كانت لهم الأم التي قامت بالتربية و بذلت أقصى جهودها في الاهتمام بهم و إعطائهم الحب و الحنان الذي افتقدوه، ولم تفرق بين أولادها و أولاد زوجها.

و زأكدت إحدى بنات زوجها على كلامها حيث قالت: ” كنت في العاشرة من عمري عندما توفيت والدتي، و كنت خائفة من أن يتزوج والدي زوجة ثانية تحل مكان أمي و تعذبنا و تبعد والدي عنا، و لكن عندما دخلت أمي فاطمة إلى حياتنا لم نحس بالفرق بينها و بين أمي الحقيقية، احتوتنا بحبها و حنانها و عطفها، و لم تفرق بيننا و بين أولادها، فدائماً تقول:”جميعكم أولادي” دون أن تجاملنا أو تكذب علينا في مشاعرها اتجاهنا”.

حاولت و لكن بلا جدوى!

أما مريم عبد العزيز الرشيدي فقالت أن سبب زواجها هو أنها بلغت الأربعين من عمرها و لم يتقدم أحد للزواج بها، فتزوجت بعدها من رجل مطلق ولديه 5 أولاد، جميعهم بالغين في سن الرشد، “من البداية لم يتقبلوني كزوجة أب، حاولت بشتى الطرق أن أتقرب إليهم و أقدم لهم ما يحتاجونه من رعاية منزلية و اهتمام و حب و لكن بلا جدوى، فقد زرعت أمهم في قلوبهم المشاعر السلبية اتجاهي من كره و حقد و غيرة، حتى أصبحوا يتسببون في إثارة المشاكل بيني و بين زوجي بلا حق، و مر على هذا الحال ما يقارب سنة أو أكثر، و لم أستطع أن أكمل باقي حياتي معهم، فقررت الطلاق من والدهم”.

رضيت بالأمر الواقع:

و في قصة أخرى روتها أم وسن قائلة: “تزوجت و أنا في الخامسة و العشرين من عمري، و كنت على علم بأن زوجي قد تزوج قبلي و انفصل عن زوجته الأولى بعد 5 سنوات من زواجهم، و في يوم الزواج اخبرني بأن لديه ابنة من زوجته الأولى و كانت صدمة بالنسبة لي، و بعد الزواج فرض علي أن أتقبل ابنته لتعيش معنا في نفس المنزل، و ما كان بوسعي إلا أن أرضى بالأمر الواقع و أتقبلها” ، وتكمل أم وسن : ” مضت سنة و نص من زواجنا و أنجبت طفلة، و كنت أحاول بقدر المستطاع أن أعدل بينها و بين ابنة زوجي، لأحسن تربيتهم و لا أفرق بينهم، و بعد أن كبرت ابنة زوجي و بلغت من العمر 15 سنة، كانت تذهب لزيارة والدتها فتحرضها علي لتجعلها تكرهني و تكره إبنتي، و كانت تتقبل كلام والدتها، و أصبحت بالفعل تكرهني و تعاندني كثيراً و تتمادى في تصرفاتها معي، خاصةً أن والدها لم يهتم للأمر، و ويصر أن أغض النظر عن تصرفاتها بحجة أنها في سن المراهقة”.

الحضن الدافئ:

من جانب لآخر تقول منى الغامدي : “توفيت والدتي بعد أن أنجبت 3 أبناء، و أنا أكبرهم، ولصغر سننا وحاجتنا إلى عناية تزوج والدي من امرأة أخرى لا تنجب أطفال “عقيم”، والتي منحتنا قدر كبير من الحنان و الحب و الرعاية، إلا أن المحيطين بنا من  أهل أمي كانوا دائماً يراقبونها و يتهمونها بأنها ظالمة و أنها لا تحبنا، و أنها لا تستحق أن تكون مكان أمنا الحقيقية ومع كثر الأتهامات إلا أنها لم تهتم ولم تترك مجال لنا لنتأثر بحديثهم عنها، حيث استطاعت أن تقوّم تربيتنا وسلوكنا في جو أسري تعمه السعادة،و كانت و مازالت الحضن الدافئ الذي عوضنا عن فراق الأم الأصلية”.

من ابنة مدللة إلى خادمة

أما هنادي البالغة 23 من عمرها، قالت: “كنت الابنة المدللة عند والدي، حتى تزوج من زوجة ثانية بعد أن أصيبت أمي بمرض السرطان، فكانت زوجة أبي امرأة متسلطة، تستغل غياب أبي عن البيت حتى تعنفني “تضربني” و توجه لي الإهانة، و ترغمني على القيام بجميع الإعمال المنزلية، و تسبب لي الكثير من المشاكل مع والدي، الذي دائماً يقف في صفها، مبررا تصرف زوجته بأنها ربة المنزل و لها الحق في فرض الشروط و تحديد المهمات، و أنا لم أستطع تغير أي شيء في قصتي غير الاستسلام للأمر المر “.

صورة سلبية متوارثة:

من جهته أكد استشاري الطب النفسي ناصر العنزي أن الصورة السلبية لزوجة الأب متوارثة مجتمعياً نتيجة تلك العادات و التقاليد و القصص المتداولة، و مازالت نظرة المجتمع لها على أنها المرأة الشريرة و التي جاءت لأخذ الأب من أبناءه، و تعذيب الأبناء و تشريدهم، وأيضاً  الأنانية التي ستستولي على مكانة الزوجة الأولى، بالرغم من أن هناك أمهات أشد قسوة من زوجة الأب، و قد تكون نوايا زوجة الأب حسنة و طيبة تجاه الأسرة ولكنها لا تعرف كيف تتصرف مع الأبناء بمثالية.

وأوضح العنزي أنه لا يمكن التعميم والحكم على زوجات الآباء بأنهن ظالمات ومستبدات، ويجب التعامل مع كل حالة على حدة، و ليس هناك شك على أن التعامل الإيجابي و الحنان أو التصرفات السلبية و القسوة في شخصية الإنسان تعتمد على طبيعة تلك الشخصية و البيئة التي نشأ فيها، فقد يكون الأبناء هم سبب العدوانية و الأنانية التي تصدر من زوجة الأب، و ذلك من خلال معاداتها و التسلط عليها وعلى أبناءها أو التعامل معهم بعنف أو إساءة الأدب معها و إفقادها هويتها في المنزل.

و أضاف العنزي قائلاً:”أنصح المرأة التي تقبل أن تكون زوجة أب أن تتحلى بالصبر و الشجاعة،و أن تكون واعية لتصرفاتها و تصرفات أبناء زوجها و تسعى إلى تعديل السلوكيات التي تصدر من الأبناء، وعليها أن تبذل الكثير من الجهد لكسب ثقتهم، و تجعلهم يتقبلون وجودها و يبادلونها الحب و الاحترام، لتعيد بذلك توازن الأسرة و تخلق جو أسري سعيد بعيد عن المشاكل النفسية و الأسرية”.

نماذج إيجابية خلف الكواليس:

و تقول الأخصائية الاجتماعية ناهد الحمدي أنه لازال لزوجة الأب  صورة مشوهة أو بشعة رسختها العادات والتقاليد والأمثال الشعبية والدراما التلفزيونية، التي تسلط الأضواء على أنها شريرة و قاسية، و أنها تفكك شمل الأسرة، بالإضافة إلى تسليط الضوء على بعض الجرائم التي قامت بها بعضزوجات الأب مثل تعذيب وقتل الأطفال، دون التطرق أو الالتفات إلى النماذج الايجابية لزوجات الآباء و دورهن في خلق جو أسري حميمي يكسبن من خلاله حب و احترام الأبناء، ليكنّ بذلك الأمهات البديلات.

و أضافة الحمدي أنه من الطبيعي أن يحدث نوعاً من التوتر بين زوجة الأب و الأبناء في بداية العلاقة، و التي قد تتأثر بالوضع الاجتماعي للأم، بمعني هل هي مطلقة و مازالت على قيد الحياة، أو أنها مازالت على ذمة الأب ، أم أنها متوفاة، و هنا تختلف الأمور كثيراً ففي حال وجود الأم على قيد الحياة قد تقوم بتحريض أبناءها على كره زوجة الأب و القيام ببعض المشاكل معها و التي تزيد معدل الكراهية و التوتر الأسري، أما في حال وفاتها فتعتمد علاقة الأبناء بزوجة الأب على مدى قابليتهم لدخول امرأة ثانية في حياتهم تحل محل الأم الأصلية والدور الذي تلعبه في حياتهم.

و أشارت الحمدي إلى الدور الأساسي للأب في علاقة أبناءه بزوجته الجديدة، و أن دوره يبدأ  من لحظة اختيار الزوجة الثانية و الذي لا بد يكون مبنياً على أساس من الوعي والنضج، ومراعاة عمر الزوجة الثانية والاتفاق معها حول التفاصيل حتى لا تتعرض للصدمات في ما بعد، وأيضاً تعريفها بالأبناء ومحاولة تقريب وجهات النظر من البداية وعدم فرض من لا يقبلونها عليهم دون تفاهم، كما تقترح الحمدي أن تكون هناك آلية و طريقة للحياة المستقبلية للزوجة الأب و للأبناء مبنية على العدل و المساواة فيما بينهم، و الابتعاد عن إجبار الأبناء على قبول زوجة الأب أو مساندتها في كل مواقفها مع الأبناء دون حق، وكذلك عدم مساندة الأبناء ضد الزوجة وغض النظر عن مواقفهم العدائية تجاهها دون تفهم الدوافع ومعالجتها .

و أضافت الحمدي مؤكدة على أهمية توضيح أسباب الزواج للأبناء من الناحية الدينية و الاجتماعية و النفسية،و الاستماع إلى تساؤلاتهم و الرد عليها بوضوح و حكمة، ولا بد من العمل على تعزيز البيئة الأسرية الإيجابية والجو المناسب في البيت، و ذلك من خلال تقوية الثقة المتبادلة بين أفراد الأسرة والاحترام غير المشروط، و وضع أسلوب راقي للحوار، لتفادي المشاكل التربوية و السلوكية و جعل الأبناء يتقبلون الزوجة الجديدة بشكل أفضل.

أما فيما يتعلق بدور زوجة الأب في كيفية كسب حب و احترام الأبناء، فقد أشارت الحمدي إلى أساليب و طرق عدة يجب على زوجة الأب القيام بها و منها:

أهمية  الجلوس مع الأبناء قبل الزواج و التعرف عليهم بصورة أقرب، لتفهم مشاعرهم والتعرف على شخصياتهم ،و اكتشاف تصرفاتهم لتحقيق علاقة أسرية سعيدة، كما يجب على زوجة الأب أن تتحلى بالصبر و الحكمة عندما يصدر أي تصرف سيء من أحد الأبناء و التحاور معه بكل هدوء لكسب ثقته و تغيير سلوكه للأفضل، و يفضل عدم التدخل في طرق أو أسلوب تربية الأب لأبنائه.

كما يجب على زوجة الأب احترام الزوجة الأولى، و تجنب الحديث عنها بسوء، حتى لا تزيد الكراهية و التوتر، و إذا كان هناك أمر مهم و ضروري للتعامل مع الزوجة الأولى يفضل ترك ذلك الأمر  للزوج في إبلاغ الزوجة الأولى.

أيضاً من المهم إشعار الأبناء بأن لهم قيمة و مكانة مهمة في المنزل و ذلك من خلال إشراكهم في اتخاذ بعض القرارات المنزلية.

شاركينا برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني